الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / الاستقلال اللبناني… المسرح والساحة

الاستقلال اللبناني… المسرح والساحة

 

إلياس خوري
Nov 21, 2017
القدس العربي

عام 1943، لم يكن لبنان ساحة للصراعات بين الحليفين اللدودين: الفرنسي والبريطاني، أو بين الصديقين العدوين: إميل إدة ورياض الصلح، بل كان مسرحا لصراع غير متكافئ انتهى بسرعة على إيقاع كؤوس الشمبانيا التي شربتها مود فرج الله مع أصدقائها البريطانيين والدستوريين.
كانت لعبة شطرنج واضحة المعالم، يعرف اللاعبون قواعدها جيدًا، ولم يكن بمقدور الفرنسي الخاسر أن يقلب الطاولة لأنه كان ضعيفًا ومهزومًا في بلاده.
يومها احتل المسرح اللبناني الجنرال البريطاني سبيرز بـ«فرنسيته المتقنة وهوسه بالبيوت الشرقية وتمتعه بحياة بيروتية تظللها السكينة وأشجار الصنوبر، وتحتل صدارتها سيدات شارعي سرسق وزقاق البلاط، بأذواقهن الافرنجية وجمالهن وغواياتهن.
كان يكفي لبضع تظاهرات في بيروت وصيدا وطرابلس، أن تعلن نهاية عهد كولونيالي وبداية عهد آخر. ولقد نجح الثنائي بشارة الخوري ورياض الصلح في صوغ ميثاق وطني مليء بالالتباسات والفخاخ أوحى به فيلسوف «الحقيقة اللبنانية» ميشال شيحا.
نستطيع أن نقرأ الاستقلال من منظور حكايات سيدة المجتمع مود فرج الله التي كانت صديقة مقربة من المفوض البريطاني الجنرال سبيرز، التي قيل والله أعلم إنها كانت إحدى عشيقات الرئيس كميل شمعون، وكيف ذهبت إحدى المظاهرات الاستقلالية إلى منزلها في زقاق البلاط لمطالبتها بحث صديقها البريطاني على دعم قادة الاستقلال المعتقلين في قلعة راشيا.
كما نستطيع أن نقرأ من خلال مصير بطليه: رياض الصلح الذي قضى اغتيالا عام 1951 على أيدي الحزب السوري القومي انتقاما لإعدام أنطون سعادة، وبشارة الخوري في سقوطه البائس بعد الثورة البيضاء التي أطاحته عام 1952 وأتت بكميل شمعون رئيسًا.
كان المسرح اللبناني منذ تأسيسه على أيدي الاستقلاليين تراجيديا بمقدار ما كان كوميديًا، وكانت مصائر أبطاله تمزج هذين العنصرين بشكل مدهش، بحيث صار الفصل بينهما بالغ الصعوبة. وتأسست دولة اللّا دولة التي تعيش في المؤقت، ويتلاعب بمصيرها السفراء والقناصل.
لكن زمن الجنرال سبيرز وصالونات بيروت سرعان ما تلاشى عندما بدأت الامبراطورية البريطانية تترنح في المشرق العربي بعد العدوان الثلاثي الفاشل على مصر، ولم يبق من ذلك الزمن سوى تماثيل قادة الاستقلال التي تهاوت في معظمها خلال الحرب الأهلية قبل أن تنصب من جديد بعدما فقدت بريقها.
تحول المسرح إلى ساحة دموية بعد وصول التناقض التناحري بين الهاشميين في العراق ومن خلفهم البريطانيين ومصر الناصرية إلى ذروته عام 1958، في حرب أهلية لبنانية صغيرة، لم يكن لها أن تنتهي الا بعد سقوط الهاشميين في العراق وحلول النفوذ الأمريكي بدل النفوذ البريطاني.
نهاية الساحة تحققت في مشروع فؤاد شهاب الرئاسي الذي رفع شعار الانتقال «من استقلال الدولة إلى دولة الاستقلال». نجحت الشهابية كمشروع لغوي وثقافي بفضل الندوة اللبنانية التي أدارها ميشال أسمر وفشلت كمشروع سياسي. يمكن للمراقب أن يرى بصمات وحذاقة منح الصلح، وهو آخر سلالة آل الصلح وحامل تراث رياض وتقي الدين، في صوغ الشعار الذي يستهين ذكاؤه المفرط بذكاء الآخرين.
إن إعادة تركيب الدولة على توازنات الطوائف وعلى استقرار نسبي في ظل المرحلة الناصرية، ومجموعة الاصلاحات في جهاز الدولة، ما كان لها أن تحمي المسرح اللبناني من التهاوي بعد هزيمة مصر الناصرية في حرب حزيران- يونيو 1967.
تهاوى المسرح السياسي لمصلحة ساحة دموية جعلت من الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1990، تلخيصا لحروب المنطقة.
وفي المنعطفات كلها، حتى في زمن الهيمنة السورية المديدة، كانت الساحة اللبنانية تعيش على إيقاع توازنات المنطقة، فالهيمنة السورية لم تكن ممكنة لولا تقاسم النفوذ مع السعودية، الذي انتهى بشكل دموي وتراجيدي بعد اغتيال رفيق الحريري.
غير أن لبنان في ظل هيمنة آل الأسد انتقل من خبث السفراء ولطفهم ولياقاتهم الكاذبة إلى جلافة المفوض السامي السوري في عنجر، وإلى زمن الفجاجة والتصفيات والدم.
بقي لبنان ساحة في ظل الهيمنة السورية، وكانت خشبة المسرح السياسي التي بنيت على عجل كاريكاتورية مضحكة، ولم تنكسر إلا عام 2005، حين أطل احتمال الاستقلال من جديد الذي حوّله الصراع السنّي الشيعي وارتباطه بشعارات المقاومة، التي فرض النظام السوري أن يتولاها حزب الله منفردا، إلى سراب.
وبقي لبنان بعد الخروج السوري ساحة صراعية مفتوحة على الاحتمالات، ولم يتجنب الوقوع في مصيدة الحرب الأهلية المدمرة الا بسبب مظلة دولية من جهة وغياب توازن عسكري داخلي، من جهة ثانية.
وكانت محاولة استعادة المسرح السياسي بدل الساحة عبر توافق بين تيار المستقبل وحزب الله والتيار العوني مجرد تسوية رئاسية وحكومية هشة، لأن نار الصراع الإيراني- السعودي كانت لا تزال بعيدة عن الوصول إلى توازن إقليمي. نجحت السعودية في إنهاء التسوية هذه بشكل ميلو درامي يشبه مسلسلا تلفزيًا صنع على عجل، من خلال احتجاز الحريري واستقالته الملتبسة. وهي ميلو دراما اصطدمت بسد شعبي أعاد تعويم الزعامة الحريرية، وسمح للمساعي اللبنانية الرسمية أن تجد في المبادرة الفرنسية خشبة خلاص مؤقتة.
الأفق يبدو مسدودا، المنطقة تعيش فراغا كبيرا، سياسات هوجاء من النواحي جميعها، وإصرار على الهيمنة المطلقة على لبنان، وأوامر سعودية قاطعة وموقف إيراني حاسم.
كأن لبنان ولا يزال يعيش إيقاعات زمن الحرب وجلافة لغتها، وهذا ما يجعل من محاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي نجح في إخراج الحريري من السعودية، مزيجا من أمل باستعادة زمن غابر ومن احتمالات تهدئة اللعبة قبل أن تطيح الوطن الصغير.
منذ أربعة وسبعين عامًا نال لبنان استقلاله عن الانتداب الفرنسي، ومنذ أربعة وسبعين عامًا والطبقة السياسية اللبنانية، برغم التغييرات كلها التي طرأت عليها، لا تزال أسيرة الدول الأجنبية، ومنذ أربعة وسبعين عامًا لا يزال لبنان يبحث عن استقلاله.

اضف رد