الاستقرار، الاستقرار يا غبي

 

جهاد الزين
12122017
النهار

هناك بعض “المحاسبات” التي تتكرر في النقاش اللبناني العام ومن أكثر من جهة على مواقف أو تحليلات يدلي بها ناشطون سياسيون وأكاديميون
لبنانيون، عدا عن كونها، أي المحاسبات، تبدو كما لو أنها تصدر عن “محكمة تفتيش” تحاسب على “لغة” الموقف أو التحليل ليس سجاليا فقط بل “قضائيا” وكما لو أن المساجِل عضو في محكمة عرفية في دولة استبداد وتسلط، أي كما لو أنه إرهابي سلطة…

 عدا ذلك فإن هذا النوع من المحاسبة يرتكب خطأ الإساءة للمصلحة اللبنانية العليا التي يتفق عليها جميع اللبنانيين أي أكثريتهم “العظمى”، وأستخدم هنا تعبير “يتفق عليها جميع اللبنانيين” بدون تردد، وهي مصلحة استقرار لبنان الأمني والسياسي والاقتصادي.

لا قناعة لدى اللبنانيين باتت أعلى وأوثق من هذه القناعة: الاستقرار. لا قناعة أعلى من تلك لديهم مهما اختلفوا على أشياء ومواقف وأوضاع كثيرة بل مهما تفتّتوا وانقسموا دون أن يختلفوا بحكم تركيبتهم الطائفية التفتتية بنيويّا.

لبنان (وقد أصبح جزء كبير من المنطقة مثله) بلد مرضوض في نفسية مجتمعه الجماعية بالحروب الأهلية والحروب الخارجية. سابقا، وقد كان ذلك أحد مراحل سيره نحو نضوج اليوم، كان غليانه الطائفي والاجتماعي والأيديولوجي يفرز، كما في كل جيل، منذ العام 1920، عام تأسيسه، ولا سيما بعد 1943، شرائح اجتماعية من أعلى النخبة إلى قاع المجتمع، تلجأ إلى العنف الذي يهدد النظام العام حين تتمكن من ذلك. الذروة كانت عام 1975.

اليوم لا أقول أن مثل هذه الشرائح انعدم وجودها، بل الأدق القول أنها الأقل وجودا منذ تأسيس لبنان. حتى الفئات المسلحة، والجميع مسلح، سواء جيش “حزب الله” المحترف، أو ميليشيات الطوائف “النائمة” تفضِّل داخليا خيار الاستقرار لو كان هذا خيارها الذاتي. وحتى المرتبطة بينها بارتباطات خارجية هي اليوم بعد 2006 ثم 2009 تحولت إلى “لوبي” داخل قصور مراجعها الإقليمية تسعى كلٌ منها لشد سيِّدها الإقليمي نحو تبنيه أولوية الاستقرار، إذا نجحت في ذلك. هذا وضع “حزب الله” في البلاط الإيراني منذ ما بعد 2006 تحت الضغط اليومي لأغلبية الجمهور الشيعي الذي لا يريد الحرب مثل باقي اللبنانيين “الطبيعيين” ودفع أثمانها غاليا(بعيدا عن لغة الانتصارات)، وهذا ما ثبت مع حالة سعد الحريري في السعودية كما كشفت أزمته الأخيرة وجمهوره أكثر انشدادا في المدن الرئيسية لفكرة أولوية الاستقرار من جمهور “حزب الله” الضوائحي والريفي.

من حسن الحظ أن المراجع الإقليمية منذ انهيار سوريا عام 2011 ثَبُت أن لها مصلحة في استقرار لبنان لأسباب عديدة أهمها تحويله إلى مركز خدمات سلمية لحروب المنطقة. ونرجو أن تستمر في ذلك رغم بعض العلامات السلبية التي لا نظن أنها تتجاوز مجرد التهديد المناوراتي هنا وهناك من قطاع المصارف غرباً إلى “حشد” بوابة فاطمة جنوبا.

واليوم اليوم ظهر ما هو أنعش وأحلى وأوسم لفكرة السلام اللبناني أي الدعم الأوروبي وخصوصا الفرنسي والألماني والبريطاني ومعه، حتى إشعار آخر، الدعم الأميركي رغم نفير الحرب الذي يرفعه دونالد ترامب في القدس وظاهريا وليس عملياً مع إيران. لا أناقش الأسباب هنا فكلها مصالح… ومن حسن الطالع أن السلام اللبناني مصلحة ثابتة حاليا في المنطقة والعالم الأول طالما يتمكن الأميركيون من ضبط إسرائيل التي هي أيضا سعيدة بالخراب في محيطها السوري بما يجعلها ربما بغير حاجة إلى جحيم عربي آخر. لذلك، وأعود إلى بعض المحاسبات اللبنانية “التفتيشية” الطابع لأقول:

إنه الاستقرار، الاستقرار مصلحتنا أولا في كل كلام وحصيلة كلام… يا غبي. والباقي ثانوي جدا.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*