الاستعمار العثماني لتركيا.. واللبناني لبيروت (2)

وسام سعادة|الثلاثاء10/09/2019
Almodon,com

العثمانية التي جرى العمل على اجتثاثها هي ولاية بيروت العثمانية وتجربتها التحديثية (Getty)

ما كان بإمكان الرئيس عون إلا أن يطلق فعاليات المئوية بشكل خاطئ. لأنه ما كان بإمكان لبنان حتى في سني الغلبة المارونية فيه إلا أن يهمل المجاعة من السردية قدر المستطاع، لعدم تناسبها مع العدد المشتهى للمسيحيين الأحياء، ومع تطلعات البرجوازية المسيحية التي لم تداهمها المجاعة، وتلافيا للإشكال مع المسلمين. ولأنه، من ناحية أخرى، برزت مع تحويل لبنان الكبير إلى مدى حيوي للبنان المتصرفية، حاجة لطمس تاريخ ولاية بيروت العثمانية، يكاد يكون بأكمله.


تفكيك الاستعمار الرمزي
فالمسألة ليست إذا بنى العثمانيون جسراً هنا أو هناك، كما يتذاكى بعض التنابل، للقول أن الإمبراطورية كانت استعماراً مثلما هو استعمار فرنسا للجزائر، غافلين أن الجزائر نفسها قبل الفرنسيين تقدم النموذج عن ولاية عثمانية غير خاضعة لتوجيهات المركز، الباب العالي. وما الإمبراطورية سوى تفاوت في مستوى الوصل والبعد عن المركز بين الأقاليم؟

المسألة هي في كيفية وعي الاختلاف بين تاريخين. تاريخ ولاية بيروت، وتاريخ متصرفية جبل لبنان، من دون أن يقتل أحدهما الآخر.

فالعثمانية التي جرى العمل على اجتثاثها من 1920 إلى اليوم، هي ولاية بيروت العثمانية، والتجربة التحديثية الرائدة التي قدمتها ككيان ليفانتيني من المستطاع تخيله أكثر إشراقاً من أي كيان مشرقي آخر، لو كتب له الاستمرار. هي نفسها الولاية التي حركها السعي من أجل اللامركزية العثمانية، ومن أجل الإخاء العثماني.

تفكيك الاستعمار يتصل هنا بادئ ذي بدء بتفكيك الاستعمار الرمزي الذي قامت به سردية المتصرفية لسردية الولاية. السلوك السوي والمنتج.. والمستبعد، لمئوية لبنان الكبير، هو مصالحة سرديتي المتصرفية والولاية، بتحريرهما قبل أي شيء آخر من اختزالية الثنائية الإسلامية المسيحية. الفارق بين مراكز ولاية بيروت، أي بيروت وطرابلس وحيفا، وبين المتصرفية، كان فارقاً في منسوب التحديث والتنوير، وفي منسوب الاختلاط بين أتباع الديانات المختلفة، وإن كان التفاوت بين مراكز ولاية بيروت الحضرية وأريافها، أكبر من التفاوت ضمن المتصرفية. بقي الشيعة والعلويون التي ضمت مناطقهم ولاية بيروت، مستبعدين من التحقق الكياني لها، وبقي انفصال المدن الساحلية عن بعضها البعض عنصراً أساسياً لتضعضعها.

“الاتحاد والترقي”هل كان أهل ولاية بيروت يشعرون بالوطأة العثمانية نفسها على سكان المتصرفية؟ قطعا لا. مع أن ارتباط ولايتهم بها كان أكثر مركزية بكثير، قياساً بالوضع الخاص والحكم الذاتي في الجبل. وكانوا في الوقت نفسه، لا سيما في بيروت والمدن الكبرى، أكثر حرية، بإزاء المؤسسة الدينية.

جزء أساسي من الاختلاف يتصل بوجود سكاني كبير من أصول تركية وأعجمية إسلامية مختلفة، ومن الأوروبيين المتمتعين بنظام الامتيازات داخل السلطنة، وهو ما تتضاءل نسبته داخل حدود المتصرفية.

هل كانت الإمبراطورية نفسها استعماراً؟ بدت في عقودها الأخيرة كما لو أنها استعمار تركي للعرب، لكنها لم تكن كذلك في عمرها المديد، وبقي أكثر العرب داخلها يتكيفون معها على أنها دولة المسلمين الجامعة، ولو رغبوا بإصلاحها فعلى منوال إصلاح حال المجريين في إمبراطورية آل هابسبورغ.. وأكثر، عندما أخذ المنحى “الاستعماري” هذا يلحظ داخلها، أي بعد استيلاء الاتحاد والترقي الحاسم على السلطة، عام 1913، كانت الإمبراطورية العثمانية نفسها شبه مستعمرة ألمانية.

وأساساً، قبل أن تدخل في أي نقاش حول الماضي العثماني مع أي كان عليك التأكد. إذا كان اعتقاده بأن الإمبراطورية العثمانية كانت تركيا المعاصرة ثم مجموعة الشعوب الخاضعة لها، فالأولى حينها محاولة تزويده بالشروط الأولية لأي تناول للتاريخ العثماني.

نفوذ الأرثوذكسية والخليط السكاني
العائلة الحاكمة، بني عثمان، من أصل تركماني، اختلطت مع كل الأرومة اليونانية والسلافية.. والأرمنية، من جهة أمهات السلاطين، المتخذات من الجواري منذ القرن الخامس عشر (تحاشياً للمصاهرات وما قد تجره من خلق مراكز قوى للعائلات موازية للسلالة)، واللواتي حكمن فترة طويلة السلطنة، من موقعهن كـ”والدات السلاطين”.. والسلطانات الوالدات.

أما الصدور العظام، فمعظمهم غير أتراك. أما العسكر حتى أواخر القرن السابع عشر، فمعظمهم ولد مسيحياً، وتعمد، ثم اختير في جزية الدم، أو نظام الدوشرمة، لخدمة الدولة والسلطان، فأسلم وختن، وصار سباقاً إلى الفتوحات.

أما الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية فكانت إلى مطلع القرن التاسع عشر قاعدة أمان وتماسك الإمبراطورية العثمانية. فالأخيرة سمحت للأرثوذكس بلم الشمل من الأدرياتيك حتى المشرق، بعد أن اكتفت بيزنطية في آخر أيامها بقطعة أرض منحسرة. ما كان بطريرك القسطنطينية أقل من شيخ الإسلام فيها منزلة. بل تعزز دوره المهمش لصالح الأباطرة في العصر البيزنطي.
فقط مع صعود قوة أرثوذكسية جديدة (مع انها ألغت بطريركية موسكو منذ بطرس الأكبر وإلى ما بعد الإطاحة بنقولا الثاني)، روسيا، خصوصاً مع الامبراطورة كاترين الثانية نهاية القرن الثامن عشر، بدأت العلاقات بين “الروم” والسلاطين العثمانيين تتدهور، وصولاً إلى ثورة اليونان 1821.

لكن الأستانة نفسها، التي واظب العثمانيون على تسميتها القسطنطينية، بقيت بأكثرية غير تركية إلى مطلع القرن العشرين. وأساساً، نشأت الحركة القومية اليونانية في البدء في منطقة الفنار بالأستانة، كحركة تريد الحفاظ على الإمبراطورية إنما بسيطرة اليونانيين عليها، وصيرورتها “جمهورية هيلينية”. تبدل المشروع القومي اليوناني فقط بعد هزيمة أفكار الرواد الحالمين هؤلاء. لم يتبدل تماماً مع ذلك، لأن هدف القوميين اليونانيين كما القوميين البلغار، بقي إلى ما بعد الحرب الكبرى، أكثر من دولة أمة، وإحياء للإمبراطورية، متمثلاً خصوصا باسترجاع القسطنطينية وجعلها عاصمة لأحد هذين القومين. تحديدا السعي البلغاري في سياق الحروب البلقانية 1911 – 1913 لأجل ذلك، هو من الأسباب الأساسية للحرب العالمية الأولى، أكثر بكثير من المرامي الروسية في هذا الصدد.

ثقافة الألسن الثلاثلم تكن السلطنة امبراطورية أتراك يستعمرون غير أتراك. كانت إمبراطورية تستمد من الإسلام مشروعيتها. مع أنها، من محمد الفاتح إلى سليمان القانوني، اهتمت بتجديد صنيع جوستنيان، بتجميع أكبر عدد من القوانين والأعراف في مصنفات “القانون نامه”. أي بمعنى آخر، إيجاد مرجعية موازية للشريعة الإسلامية، وإن جرى الاهتمام بجعلها موافقة لها. أما الخلافة، فلم يصر للجوء إليها إلا في الفترة العثمانية المتأخرة. قبل ذلك، كان الباديشا العثماني يفضل حمل لقب قيصر الروم، كما فعل محمد الفاتح، وصاحب قران (الذي استهله تيمورلنك)، كما فعل سليم وسليمان. تقلد السلاطين بلقب حامي الحرمين، لكن أحداً منهم لم يقم بالحج.

كانت إمبراطورية سادت بلاطها وأدبها وشعرها ونخبها مطولاً ثقافة الألسن الثلاث، الفارسية أولا، لغة الملائكة والملحمة، الشاهنامة بالدرجة الأولى، ومعيار الصقل الثقافي والبلاغي. والعربية، لغة الأنبياء والقرآن والشريعة والفقهاء. والتركية العثمانية، لغة العسكر بالأساس، العسكر المستجمعين في البلقان من أصول سلافية وغير تركية. الصدارة اللغوية التركية جاءت متأخرة. وحتى في هذه الحالة، لم يحدث “التتريك” المنهجي الذي يتعسف القوميون العرب والكيانيون اللبنانيون على حد سواء في التنديد به.

أما لفظة أتراك نفسها فبقيت تستخدم بين “أتراك العاصمة” لتعيير أتراك الريف. تماما كالفارق بين عربي وأعرابي. إلى أن تبدل الحال أواخر القرن التاسع عشر، مع انفصال شعوب البلقان المسيحية عن السلطنة، وتهجير المسلمين من كل المشارب الآتية إليها بحجة انهم “أتراك”. حينها صارت حاجة لصناعة هذه الهوية.. وتقاطع ذلك مع إعادة اكتشاف الرابطة الإثنية، اللغوية، الدينية، مع شعوب آسيا الوسطى، في ظل التوسع الروسي ضمن هذا المجال، وما تهجر جراءه من مسلمين تتار وشركس وداغستانيين وشيشانيين وسواهم… نحو السلطنة.

مع هذا، ليس بالاستهجان ولا بالفوقية ولا بغيرة الدين يجري كشف تهافت الخطاب الاختزالي الأناكروني (الذي يخلط بين الازمنة) حول الدولة العلية على أنها استعمار.

“العثمانيون السلبيون”
فهذا كان، إلى فترة طويلة، كلام كل النخب القومية في الأمم العثمانية السابقة، من يونانيين وبلغار ورومانيين وصرب.. بل كلام مصطفى كمال نفسه، الذي لم يقل بحق السلطنة، في خطبة “النطق”، كلاماً أقل قساوة بصددها من ميشال عون. كل الحركات القومية الخارجة من الجامعة العثمانية قالت كلاماً مشابهاً في لحظة القطيعة. ثم أخذت تلطف، وتكيف في المسائل، وتميز “بروديليا” على طريقتها، بين تاريخ حدثي وبين تاريخ طويل الأمد.

المشكلة إذاً في البقاء عند نقطة القطيعة إياها، واجترارها، ولو بعد مئة عام. ما يعني في أقل تقدير أن في القطيعة زغل، وأنها لم تحدث بعد، وأن تركوفوبيا لبنان في أيلول 2020، أقرب ما يكونون إلى “عثمانيين سلبيين”، يريدون التفلت من سلطنة من وهم، هي سلطنة الإسلاموفوبيا التي تستلبهم، ومن “رهاب التاريخ” الذي يجعلهم، في اللحظة نفسها التي يغلظون فيها على تعددية مستويات التاريخ، من دون حاضر وبلا تاريخ.(انتهى)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*