الرئيسية / مقالات / الاستحقاق «الباسيليّ»: «ولاية العهد» الانتخابية

الاستحقاق «الباسيليّ»: «ولاية العهد» الانتخابية

 


وسام سعادة
May 07, 2018
القدس العربي

هي انتخابات «صهر العهد» وزير الخارجية ورئيس التيار العوني جبران باسيل أوّلاً. من جهة، بحكم ما لعبه، منذ خمس سنوات، من دور رئيسي في «معركة قانون الانتخاب» حتى جاء هذا القانون وإلى حد كبير «على صورته ومثاله». بدءاً من التسويق لمشروع قانون «اللقاء الأرثوذكسي» (وفحواه أن كل طائفة دائرة انتخابية تنتخب نوابها بالنظام النسبي بمعرفتها)، وهو المشروع الذي بموافقة كل من «القوات اللبنانية» و«حزب الله» عليه، بالإضافة إلى العونيين، في مقابل إعتراض «تيار المستقبل» ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي نسفت الحالة الجبهوية التي
كانت تشكّلها «قوى 14 آذار». مروراً بعدة مشاريع قوانين من «تأهيلي» و«مختلط» كان باسيل قطباً أساسياً في المبادرة باتجاهها.

ووصولاً إلى القانون المعتمد حالياً، والمقرّ في العام الماضي، القائم على مفارقة الجمع بين اللائحة المقفلة، التي هي مع هذا القانون، أشبه بجمعية من المرشحين تتفق فيما بينها انتخابياً من أجل توسيع عدد المقاعد التي يمكن لهذه اللائحة أن تنتزعها، وبين الصوت التفضيلي ضمن القضاء، بما يعنيه من كون المعركة لتجميع هذا الصوت حيوية ضمن اللائحة الواحدة، في عدد كبير من الدوائر، أكثر منها بين مرشحي لائحتين متنافستين.

انسجم اقرار هذا القانون مع حاجة باسيل بشخصه إلى عدم تكرار فشله الانتخابي في انتزاع احد مقعدي قضاء البترون، بعد أن فشل في ذلك في الاستحقاقين الماضيين، 2005 و2009. وتشارك التيار العوني الذي يرأسه باسيل، مع «القوات اللبنانية» في اعتبار هذا القانون يحسن من الوضع التمثيلي للمسيحيين مقارنة بالقوانين السابقة، رغم أنّ «التحالف الانتخابي» بين هذين التشكيلين، الذي تحمّس له بعض المتفائلين فوق اللازم بالمصالحة العونية القواتية، التي اندفعت لها «القوات» أساساً بغية قطع الطريق على مبادرة الرئيس سعد الحريري ترشيح الزعيم الماروني الشمالي، الموالي تقليدياً للنظام السوري، سليمان فرنجية، سرعان ما انقلب جفاء، وامتناع أي تحالف انتخابي في أي دائرة بين «القوات» والعونيين، هذا في حين تحالف كل فريق مع «تيار المستقبل» في بعض الدوائر اليوم، في مواجهة الطرف المسيحي الآخر، إلى أن استبق جبران باسيل فترة الصمت الانتخابي بهجوم غير مسبوق بهذا الحجم على رئيس «حزب القوات» سمير جعجع، مستخدماً نعوتاً تعود إلى فترة «حرب الإلغاء» بين جعجع وعون مطلع التسعينيات.

وهذا الاستحقاق «باسيلي» بامتياز من جهة ثانية، بحكم أنّه المحكّ لصيرورة الحالة العونية ككل، حالة «عونية ـ باسيلية». أي لتكريس «صهر العهد»، الذي ظهر إبان الحملة الانتخابية على أنه «الصهر الرئيسي» في مقابل الجنرال شامل روكز كـ«صهر عهد رديف»، بمثابة «وليّ للعهد» في الجمهوريّة اللبنانية، و«الوزير الأوّل» في مقابل رئيس الوزراء، ضمن الحكومة الواحدة، العتيدة، المرتقبة بعد هذا الاستحقاق، والمرتقب أن تكون ولادتها عسيرة، بل أن تشكيلها أشبه ما يكون بـ«الاستحقاق الحقيقي» التي لن تشكّل الانتخابات الحالية إلا مدخلاً وتوطئة له.
حتى كتابة هذه السطور، لم تكن صناديق الإقتراع قد أقفلت بعض، ولا أخذت الماكينات الانتخابية تبث تقديراتها، ولكنّ، كل ما طبع هذه الانتخابات يُقاس بهذا: تكريس جبران باسيل «صهراً أوّلا»، و«ووليّ عهد»، و«ووزيراً أوّلاً» أو لا. طبعاً، انتظار ما ستحققه لوائح «تيار المستقبل» في الدوائر ذات الكثافة السنية، والكيفية التي سيظهر فيها الثنائي الشيعي أمل – ـ حزب الله كـ»جدار مسلّح» لا تخترقه شظية، هي أبعاد أخرى، أساسية للانتخابات. إنّما نكهة الانتخابات «الفارقة» هذا الموسم تبقى جبران باسيل، وإذا كان لبنان سيدخل «المرحلة الباسيلية» من بابها الواسع «والمشكلجي» أم أن الأمور أعقد من ذلك، ومحكومة بضوابط تقليدية تحاصر بالنتيجة هذه «العلامة الفارقة» وتتكفل بتحديد إطارها ضمن «سستام» المحاصصة «بالتي هي أحسن».
فلئن تمكنت الحالة الباسيلية من الخروج بمظهر المنتصر في هذا الاستحقاق، ستكون هذه الضوابط «التقليدية» أمام المحك، وربما نكون أمام مشهد أكبر كتلة مسيحية في المجلس النيابي تتخذ قراراً بعدم التصويت لرئيس حركة أمل نبيه بري رئيساً للمجلس لدورة جديدة، وهو المحتفظ به منذ 1992. طبعاً، تحوّل هذه النزعة المناهضة لنبيه برّي إلى قرار حاسم من الكتلة العونية ـ الباسيلية بهذا الشكل، دونه السؤال عن كيفية انتظام العلاقة بين «حزب الله» وكل من حليفيه اللدودين، نبيه بري وجبران باسيل.

بمعيار «كارل شميت»، جبران باسيل محترف سياسياً. لقد عرف أنه، من أجل خوض الانتخابات، عليك أن تحدّد «عدواً انتخابياً» من لحم ودم. تحديده كان واضحاً: نبيه برّي. وأن تجعل منافسيك المباشرين، من بطرس حرب إلى سليمان فرنجية و«القوات» ووليد جنبلاط، بمثابة شركاء لرئيس المجلس في حركة الإنقلاب على العهد. في نفس الوقت، جمع باسيل في الأيام السابقة للاستحقاق بين لهجة «حزم مارونية سياسية» بازاء «المستقبل» وبازاء «حزب الله» في وقت واحد: فالمطلوب أن يكونوا على الحياد، على أقل تقدير، في الصراع بينه وبين رئيس المجلس. وعلى الرغم من طلب الرئيس سعد الحريري من أنصاره في البترون اعطاء صوتهم التفضيلي لباسيل، فإن كلام باسيل عشية الاستحقاق حول الحكومة القادمة ونمط تشكيلها، وحول ملف «عودة اللاجئين السوريين» وكيفية طرقه (ذلك أن العونيين يطالبون بأن تتم العودة بالتنسيق مع النظام السوري) لا تشير إلى «حركة انسيابية هادئة» بين التيار العوني وبين الزعامة السنية الحكومية، مثلما انزعاج «حزب الله» من «الأوفرة» في خطاب باسيل، لم يعد خافياً على أحد. حتى لو أنّ نسبة معتبرة من كل هذا التشنج تراجعت بعد الانتخابات، فإنّ جبران باسيل كظاهرة، وخصوصاً إذا «عمّدتها» الانتخابات «وليّة للعهد، هي عملياً ظاهرة تسرّع بإنهاء أرضية الصيغة الحالية، إطار الدستور الحالي، دستور ما بعد الطائف.

الاستحقاق باسيلي أوّلاً، سواء نال باسيل منه مراده أم لم ينل، لكنه أيضا استحقاق «باسيلي» لأنه قائم قبل كل شيء على جملة «افتراضات» لا تستوي لإقامة الحد الأدنى من الديمقراطية الانتخابية. فالانتخابات اللبنانية تفترض تعليق سلسلة من «الكما لو». من مثل أنها تفترض أننا نعيش في المناطق التي ننتخب فيها، فيما الأكثرية المطلقة تعيش في شريط «بيروت والمدن البيروتية الجديدة»، وتقطع مسافة يوم الانتخاب للإدلاء بصوتها في «جغرافيا متخيلة»، وهي انتخابات تفترض أن الديموغرافية متوازنة بين المسلمين والمسيحيين عدداً، في حين ان الجميع يدرك ان الواقع ليس كذلك، وفكرة «أوقفنا العد» على هذا الصعيد تتناقض مع «تدقيق العد» المسيحي في عدد النواب المسيحيين «كامل الدسم» أي المنتخبين من مسيحيين أساساً، وهي انتخابات تفترض حداً أدنى من «العدالة الاجتماعية الانتخابية»، في حين أن العدالة الاجتماعية المنصوص عنها في مقدمة الدستور تسقط رأساً من «بدل التقدم» بالترشيح، 12 ضعف الحد الأدنى للأجور، هذا رمزي، مقارنة بقانون الغاب في الإنفاق والدعاية والإعلان الانتخابيين، ناهيك عن ظاهرة منح حصة من «المقاعد على اللوائح» لمتمولين كبار، على سبيل تمويل المجهود الحربي الانتخابي العام. وهي انتخابات تفترض حداً أدنى من التوازن في الحريات الانتخابية بين المناطق، في حين أن التفاوت على صعيد وسائل العنف غير الدولتي من جهة، والتفاوت في تسخير وسائل وأجهزة الدولة من جهة أخرى، يظهر واقعاً مختلفاً تماماً. كل هذه الأوضاع «ملائمة» جداً لعملية تحوّل الإستحقاق إلى استحقاق «باسيلي بإمتياز». إنتخابات «كما لو أن» هناك انتخابات. في حين، أنه، إلى حد بعيد، لم تكن هناك، بالأمس، انتخابات.

٭ كاتب لبناني

اضف رد