الرئيسية / مقالات / الارستقراطي حمّال الحقائب

الارستقراطي حمّال الحقائب

 مالك التريكي 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
07032020

من علامات التميز بالخصال القيادية أن يكون المرء محاطا بنخبة من النابغين الذين لا يجدون حرجا، على ما لديهم من اعتداد بأنفسهم، من الاعتراف له بالسبق والريادة. فإذا وقع ذلك تحققت الشرعية الحق أيّا كان المجال، سواء تعلق بالسياسة أم حتى بالرياضة. أما في الصحافة، فلا مراء أن جان دانيال، الذي نختتم التعريف به اليوم، قد مثل أبرز حالة أرستقراطية من حالات التفرد والإشعاع التي انعقد حولها هذا النوع من الإجماع.
ارتبط صعود نجم جان دانيال في سماء الصحافة باندلاع ثورة التحرير الجزائرية عام 1954. فقد اعترف له جميع زملائه، من الأمريكان حتى اليوغسلاف، بأنه الأول والأفضل. حيث يقول جان لاكوتير إن جميع من غطوا أحداث الثورة الجزائرية، طيلة سبعة أعوام أو ثمانية، إنما كانوا يقتفون أثر دانيال ملتمسين لديه المعلومة الصحيحة والرأي السديد لأنه كان سبّاقا في الصحافة مثلما كان فرانسوا جاكوب سباقا في بحوث البيولوجيا وروبر دوتري في الفيزياء النووية!
ومما ميز جان دانيال، فضلا عن عمق الثقافة وموسيقية الأسلوب، أنه كان يحظى بثقة قادة جبهة التحرير الجزائرية لما ثبت لديهم من صدق تأييده لقضايا التحرر الوطني. فلطالما قابلهم وحاورهم في تونس، حيث كان مقرهم، وفي القاهرة والرباط وجنيف، حتى أن غلاة الاستعماريين هددوه مرارا بالتصفية الجسدية وكانوا ينعتونه بـ «حامل حقائب» جبهة التحرير. ورغم الإجلال البالغ الذي كان دانيال يكنّه لألبير كامو، ورغم اعترافه بأنه مدين له بأكبر الفضل، فإن الثورة الجزائرية قد أوقعت بينهما وحشة نهائية. ذلك أن كامو لم يكن غافلا عن مظالم النظام الاستعماري، فقد كان هو أول من نشر، في الثلاثينيات، تحقيقات ميدانية في جريدة «الجزائر الجمهورية» عن البؤس في مناطق القبائل. ولكنه كان يحلم بالحفاظ على الجزائر ضمن الأمة، أو الرابطة، الفرنسية لقاء إحقاق المساواة التامة بين جميع سكانها من المسلمين والأوروبيين. أما دانيال فقد كان من نفاذ البصيرة التاريخية بحيث ترسّخ عنده اليقين بأن هذا الحلم مستحيل، «إذ لم يكن ممكنا للعاصفة المتمثلة في تحرر بلدان العالم الثالث وفي صعود القومية العربية والاشتراكية الإسلامية أن تتوقف، كما لو كانت إعصارا متجمدا، على الحدود الجزائرية».

من علامات التميز بالخصال القيادية أن يكون المرء محاطا بنخبة من النابغين الذين لا يجدون حرجا، على ما لديهم من اعتداد بأنفسهم، من الاعتراف له بالسبق والريادة. فإذا وقع ذلك تحققت الشرعية الحق أيّا كان المجال

صحيح أن دانيال وكامو، كليهما، كانا يحبان بلادهما الأصلية حبا جارفا. إلا أن دانيال كان ممزقا بين هذا الحب وبين الوعي الأليم بأن الطلاق بين الجزائر وفرنسا آت، وبأن الجزائر «محكوم عليها بالحرية»، إن جاز استخدام التعبير السارتريّ الشهير. وقد وصف دانيال في نصوص بديعة مشاعر اليتم التي ظلت تنتابه دهرا جرّاء القطيعة مع كامو. ولكن رغم معارضته لموقف كامو من القضية الجزائرية، فإنه كان أقدر الناس على شرحه. يقول دانيال: لقد كان الرأي عند كامو أنه ليس من شيم المثقفين الاستسلام لما يبدو محسوما ومحتوما. وهذا موقف أتفهمه من موقعي كمثقف، أما من موقعي كصحافي فإن وظيفتي تتمثل في رصد علائم المحسوم والمحتوم، فضلا عن أني أرى أن لا أمل البتة في ادعاء إنقاذ العدالة بمحاولة اعتراض مجرى التاريخ.
وقد كان لدانيال ارتباط وجداني ومهني قوي بتونس التي واكب نضالها الوطني وبناءها دولة الاستقلال وحاور زعيمها الحبيب بورقيبة مرارا عديدة وكان له مع نخبتها السياسية والثقافية صداقات وطيدة. في تموز/يوليو 1961 كان دانيال ضمن الصحافيين الذين غطوا معركة الجلاء في بنزرت، المدينة الشمالية التي أصرت فرنسا على الاحتفاظ فيها بقاعدة بحرية. وكان أن تعرض لإصابات برصاص الجيش الفرنسي فسقط غير قادر على الحراك، ولكن صديقيه الصحافيين بشير بن يحمد (مؤسس أسبوعية «أفريك أكسيون» التي ستصير «جون أفريك») وشارل غيتا (الذي كان رفيقه في السلاح أثناء إنزال نورماندي عام 1944) هما اللذان احتملاه بكل شجاعة فأنقذاه. أجريت لدانيال تسع عمليات جراحية استلزمت بقاءه في مستشفيات تونس وفرنسا قرابة العامين. وقد اختمرت قصته هذه مع بنزرت طويلا قبل أن يخرجها في كتابه الشهير «الجرح».
ألّف دانيال كتبا كثيرة أخاذة بجودتها، منها رواية «الخطأ» (التي وطّأ لها كامو)، و«الملاذ والمنبع» (توطئة رولان بارت)، و«عصر القطائع» (توطئة ميشال فوكو). قال عنه المفكر الشهير ريجيس دوبري إنه بمثابة «بنجامين كونستان (الكاتب الليبرالي المعاصر لنابليون) منقّحا ومزيدا بألبير لوندر» (ألمع صحافي في فرنسا أوائل القرن العشرين). أما صديقه وزير الخارجية السابق هوبير فدرين، فقد قال إن مقام دانيال في الصحافة يعادل مقام رجل الدولة في السياسة.

كاتب تونسي

اضف رد