الاحتفاء بتنوّعنا وعمقنا الثقافيَّين الشاملَين


رشيد درباس- وزير ونقيب المحامين سابقاً

     27 أيلول 2018 | 00:00

سؤال بصيغتين، أولاهما: هل من أفق لدولة حديثة في ظل نظام طائفي يزداد تصلباً؟ والثانية كيف يمكن أن يكون التعدد الطائفي عاملاً إيجابيًّا في تطوير مفهوم الدولة الحديثة؟

عليّ أن أعترف، على رغم ازدارئي بالطائفية منذ تكوُّنِ وعيي السياسي، بأن النظام الطائفي المتهتك استطاع الصمود سحابة نصف قرن، في ظلّ انهيارات كبرى لأنظمة في المنطقة زعمت العلمانية، ثم تفتتت على رغم أعمدتها الفقرية المخابراتيّة، لأن الطبقة الكلسيّة التي تراكمت فوقها حجبت عنها الهواء والنور، فتداعت هيبتها، وتهافتت مزاعمها عند أول تشقق في السور الرهيب.

قد يدل هذا على أنّ التوازن الطائفي الدقيق يحول دون الاستبداد والهيمنة والقهر، ويترك فسحة للتنفس والحرية. وقد يدل أيضاً على مرونة أملتها المقتضيات الاقتصادية، وحاجة الدول إلى الكيان اللبناني كمساحة صالحة للخدمات اللوجستية لصراعاتها…

لكن السؤال يبقى مطروحاً: هل العلمانية قضية خاسرة لأنها موؤودة برمال التعصب، أم أن التنوع يمكن أن يكون عاملاً مساعداً أو ملاذاً للنظام اللبناني من الانهيار، بعدما أصيب التوازن بالوهن، وبدأ لبنان يفقد أهميته اللوجستية العربية والدولية؟

ربما كنت من الذين بَلَوا النظام الطائفي من داخله، وعرفوا مدى مناعته المرضية ضدَّ التطوير، لكنني بقيت على رغم هذا أرى بصيصاً في الأفق، لا يوافقني عليه كثيرون، في مقدمهم أستاذنا حسن الرفاعي الذي يتكرّم عليّ، بعد كل مقالة أكتبها، بملاحظاته الدقيقة والمخلصة، منها أخيرتُها، أنْ ليس في لبنان فولتير، ولا مونتسكيو، ولا حتى روبسبيير، لكي نعوّل على انتفاضة شعبية عميقة بعمق الأفكار التي يطلقها الرواد، وليس فيه شخصية جامعة يتحلق حولها متعددو الانتماءات ليتجاوزوا المتحدات المهددة بالتدمير الذاتي، ويعبروا إلى حوض أوسع تصب فيه الروافد.

لهذا الرأي وجاهته التي لا أنكرها، وبخاصة أن الانتماء إلى الطائفة أو المذهب تحوّل من ارتياد دور العبادة وممارسة الشعائر إلى بطاقة توظيف، وتسهيل فساد، واحتماء من الملاحقات القضائية، كأن المذهب عشيرة، وهذه في الأصل ضد الدولة، لأنّ لها مضاربها المتنقلة، فيما مضارب الدولة ثابتةٌ في الأرض المنبسطة بين حدودها، وأوتادها الأنظمة والقوانين.

ذاتَ يوم اتّصل بي أحد معارفي، شاكياً من أن البلدية تمتنع عن تأهيل شارعٍ يقع فيه مسكنه الجديد، مداراةً لجاره الذي لا مصلحة له في الأمر، ثم استشاط غضباً وقال: “هل يمتنع على المسلم أن يقطن في حي مسيحي؟” وصودف أن جاءني بعد قليل من هذا الاتصال، الجار المشكو منه، وقال لي إنّ “رفع مستوى الشارع سيؤدي إلى إغلاق باب بيته، فهل حرام على المسيحيين أن يبقوا في بيوتهم؟!”

قبل هذا، حصلت مناقلات أمنيّة أدت إلى تغيير مركز أحد القادة، فقال لي شاكياً، إن هذا التدبير يستهدف طائفته.

فإذا علم القارئ العزيز أن أيًّا ممَّن ذكرت ليس ممارساً للواجبات الدينية، سيتيقن أنّ الانتماء المذهبي ليس سوى ذريعة يسهل اللجوء إليها، كلما دعت الحاجة، بدلاً من الاحتماء بالقانون.

لقد آلت الدولة، مع الأسف، إلى غير ما كُتب في دستورها. لكنني أستنتج أنّ الأداء الفاشل المتمادي لم يعد صالحاً للتحصُّن داخل أسوار المذهب. فالاضرار لم توفّر مسيحيًّا، ولا مسلماً. والسواد الأعظم من الشعب اللبناني، وهو ذكيٌّ فطن، سيكتشف أنَّ مصلحة واحدة تعلو على المصالح المتفرقة المتوهَّمَة، هي أن ينتمي كل مواطن إلى دولة، بالمفهوم الحديث الذي إذا أمكنَ أن يكنّى بالعلمانية، فإنَّ هذه كما الينابيعُ الكثيرةُ تجري متعددةً إلى نهر واحد، يتدفق ماؤه ويسقي على وفق نظام ريّ لا يعطش فيه حلقٌ ولا يجفُّ حَقل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*