الرئيسية / مقالات / الاجتياح الوطني

الاجتياح الوطني

لماذا سُمّيت الجائحة ومَن سمّاها، لا ندري. لكن العرب منذ البداية أنّثت معظم ما يحل بالبشر من شرور، استناداً إلى كون ستّنا حواء هي مَن خرب فرح الجنّة من اجل نزوة طيش. وعلى ما يبدو، كان الوقت صيفاً، وموسم التفاح في عزّه، فضعفت وأغوت، وأكلت وأغرت بالمشاركة، فكان ان حلّت اللعنة، ولم تعُد تحل.

وبما ان الذَّكر يحكم ويقرر ويتولى صياغة أحداث الأرض، فقد ألحق تاء التأنيث بكل مكروه: المصيبة، الكارثة، النازلة، النائبة، النكبة، الواقعة، البلوى، البليّة، الداهية، الشدة، الضائقة. وللمزيد، راجع “لسان العرب”. عملاً بهذا المفهوم، سوف اشير الى كورونا، بالكاسرة، تماماً كما يشير علماء الطقس إلى الأعاصير والرياح والفيضانات، التي هي مذكّر بالمفرد، تؤنّث فوراً عندما تتضافر وتتآمر. وقد فاتنا، جنابك، ان المؤامرة الخسيسة مؤنثة، بينما الخلاص والانقاذ والنجاح ذكور تذكر وتفتخر.

في الأسابيع الأولى لهذه الكاسرة، ضربت الجرثومة نائب وزير الدفاع الاميركي. كانت في طريقها الكاسح لتغيير المفاهيم والمسلّمات، فإذا بها تتوقف عند أقدم مفاهيم الحياة: القوة! الرجل الذي يدير أهم قوة عسكرية في التاريخ، يعجز عن اي شيء حيال جرثومة تطرحه الفراش: لا طائرات، لا اساطيل، لا صواريخ تستطيع ان تقضي على الخانقة في صدره.

وراحت كورونا تقوّض القوة الاميركية بجميع وجوهها، مالاً واسلحة واساطيل، وحتى صروح العلم. وللمرة الأولى منذ وصوله الى الكرملين، بدا الربّاع فلاديمير بوتين، شاحباً وخائفاً وهو يطلب من جميع الشعب الاحتماء بمنازلهم.

صافرة إنذار دوّت في العالم اجمع. إلى الملاجىء. اقفرت شوارع نيويورك، وموسكو، وبيجينغ، كما اقفرت شوارع هيروشيما بعد استسلام اليابان. لا تحاولوا تحدي هذه الغاضبة مثل ساحرات ماكبث ونواحات الجنائز. صلّوا لإبعاد قباحتها. وعذراً أنني نسبت الأسبوع الماضي الى ماكبث ما هو لهاملت. وفي كل حال، ثمة عفن في دولة الدانمارك.

ربما سقط المفهوم الفاشي للقوة إلى غير عودة، إلاّ في المصارعة الحرة. بالنسبة إلى أبي الفاشية، بنيتو موسوليني، لم يكن يسوع الضعيف شيئاً: “صغير وبلا أهمية، أما تلامذته “فلم يكونوا سوى اثني عشر مشرداً من حثالة العامة في فلسطين”. توسّل “الدوتشي” بدوره فرقة الانصار التي اعتقلته أن يعفوا عنه وعن عشيقته. لكنهم نفّذوا حكم القوّة، عندما تنتقل من جانب إلى آخر.

اعطت هذه الكارثة المفهوم الجديد للقوة في الصين. ترك ماو تسي تونغ خلفه في “المسيرة الكبرى” نحو 60 مليون قتيل، ومجموعة من الخطب. وقد استطاع تشي بينغ أن يعزل 670 مليون صيني لكي يحمي البلاد كلها من الجائحة. كم تبدو كلمة معجزة، أو اعجوبة، أو بطولة هزيلة في وصف ما حققته الصين في مواجهة كورونا، بالمقارنة بما حل بالولايات المتحدة واوروبا وسائر ما كان يُعرف بـ”الغرب”. لقد ادار دونالد ترامب هذه الحرب الكبرى كما يدير معركة انتخابية، أو كرنفالاً انتخابياً. الانانيات السياسية قاتلة لكثرة ما هي سقيمة وشدة ما هي عقيمة. تخيّل ان يكون همّ رئيس اميركا في مثل هذه الكارثة، تجديد ولايته بدل الأمن القومي لبلاد محتشدة بالاسلحة النووية، يكون اول المصابين فيها، نائب وزير الدفاع في “البنتاغون”.

لذلك، قالت “فورين بوليسي” ان هذا اسوأ فشل استخباري منذ بيرل هاربر و11 أيلول / سبتمبر. ظل ترامب ينظر الى النقاط الانتخابية فيما كانت دولة صغيرة مثل الأردن تُعلن حالة الطوارىء العامة، ويشرف على ذلك، شخصياً، الملك عبدالله الثاني بن الحسين. هذه ليست بوابة واحدة تأتي منها الريح، بل كل الابواب المحتملة، ولذلك، كان لا بد من أن تُسد كلها. إذا كنت تسابق المجهول، لا تستطيع أن تعتمد العجلات التقليدية. الصين وحدها تجاوزت بالعلم خبث الكاسرة الرهيبة. وبكل شجاعة ونبل، دعت المراجع الدينية المؤمنين الى الصلاة واتّباع نصائح العِلم معاً. أجّلت السعودية العُمرة، وأعلن الأزهر إغلاق المساجد، وألغى الفاتيكان بركة الجماعة، وعُقدت قمة العشرين الاستثنائية في الرياض، في ظل الجهدَين، الدولة والعلم.

ثم، ها هو ترامب يحادث بالتلفون صاحب “الفيروس الصيني”. نابوليون خسر واترلو بسبب جنرال بليد خامل الفكر وعديم الرؤية. وإلا لبقيت الامبراطورية تنمو. النصيحة بجمل، اغلى ما عند العرب. وجون كينيدي وضع بين مستشاريه ارثر شليسنجر، أهم مؤرخ في اميركا، لابقاء الأمثولة حاضرة. ترامب خلع من حوله كل صاحب حكمة.

سوف تقترع اميركا في الخريف لمن يسد اراضيها في وجه كورونا مبكراً وليس لمن يسحب 2000 عسكري من العراق خوف اصابتهم. لم ينتبه الرئيس هذه المرة إلى أن الفيروس الساحق لا علاقة له بالمجتمعات المتعثرة. عدد الاصابات في الهند عجيب بقلّته، وإصابات ايطاليا الأكبر في الشمال، الاكثر غنى وتقدماً، وروما مدينة قاحلة إلاّ من حجارتها الجميلة، وحدائقها جمال في العراء، ليس له من يتأمله. ولا احد يغنّي. وما من شاب يصفر في “الفيافيتو” لكل حسناء تمر به أو يمر بها، أو يطاردها لكي يمر بها أو تمر به.

جعلت الكاسرة المدن خالية، والناس خائفة، وروما بلا “صوت صفير البلبل / هيج قلبي الثمل / الماء والزهر معاً / مع زهر لحظ المقل / فقال لالالالالا / وقد غدا مهرول”. أصمعي، رح إنضبّ. هلّق وقتك؟

اكثر البلدان غنائية اصبحت اكثر البلدان حزناً وموتاً بلا مآتم. صمت الفلامنكو في اسبانيا، وفي ايطاليا انزوت حفيدات صوفيا لورين في الحزن وفي البيوت. والايطاليون، الذين قال مواطنهم لويجي بارزيني إنهم بلا همّة وبلا نخوة، وبلا نُبل، يتعاضدون مثل الألمان، في ساعة المصيبة الجامعة. وكورونا تمضي في الاجتياح مثل وحش الليل في ترانسلفانيا المعروف بدراكولا. الأظافر في العنق اولاً. لكن دراكولا كان يلاحق الافراد. هذه تجتاح الجماعات في جميع الأمم، وتدور مع الأرض دورتها، من حافة الى حافة، ومن قطر الى قطر.

والقطر هو المصطلح القومي الذي استُخدم فترة طويلة تبشيراً بالوحدة العربية، بدل “دولة” الانفصالية، أو “بلد” الانطوائية، أو “وطن” الانعزالية الانزوائية. ويبدو ان التنفيذ متأخر قليلاً. وما يزال علينا ان نوحّد بين الضفة الغربية وغزة، ونحقق التفاهم بين سوريا والعراق وسائر الدول الاعضاء في الجامعة. اقصد الأقطار. وايام الهجرة اللبنانية الى مصر، و “شاعر القطرين” خليل مطران، وقّرنا العزيزة مصر كما ينبغي وبالتذكير الكامل، بينما لا يزال المصريون يصرون على تأنيث لبنان. ربما بسبب من ارسلنا إليهم من جمالات، مي زيادة، وفاطمة اليوسف، وبديعة مصابني، وآسيا داغر، ونور الهدى، والصبّوحة.

نريد ان نخفف عن جنابكم في هذه الوحشة القاتمة. لا نزهة، لا مقهى،لا زيارة، وحتى لا خطيئة اصلية كما سُمّي حب ستّنا حواء للتفاح المتدلي من الشجرة المحرَّمة. كدشة تفاح فإذا الدنيا ويل والخلق عويل واللعنة تلاحق أبانا الطيب آدم، التائه في عالم الذكور، السادة هولاكو وهتلر وجنكيز وستالين. والمرأة متهمة بالمكر والدهاء والإغراء. ارسلت الثورة الفرنسية خطيبها ميرابو وسيطاً مع الملك وزوجته ماري انطوانيت، فماذا كانت نتيجة الوساطة؟ هام صاحبنا بعينَي الملكة، وبأكياس الملك. لكنه لم يكفّ عن التحدث “باسم الشعب”.

حتى السلوى واللطائف لا مكان لها في زمن هذه الخيبة الكبرى والخوف المشتد. نبحث عن دولة نستند إليها وأهلها يتصارعون حول مَن هو المسؤول عن هذا الخراب المديد. مشردون في الخارج وبائسون في الداخل والفراغ يملأ حياتنا. وبعد ثورة لا سابقة لها، ونكبة صحية مريعة، وكارثة اجتماعية لم نعرف مثلها منذ الاستقلال، يقال لنا انها – الدولة – منكبّة على العمل لأجلنا: الدفعة الجديدة من التعيينات.

اضف رد