الرئيسية / home slide / الإمام موسى الصدر في ذاكرة المطران غريغوار حداد

الإمام موسى الصدر في ذاكرة المطران غريغوار حداد

(مركز الإمام موسى الصدر)

أجريت هذه المقابلة غير المنشورة مع مؤسس «الحركة الاجتماعية» المطران الراحل غريغوار حداد (1924ـــ 2015) في سياق دراسة بحثية حول عمل «مؤسسات السيد موسى الصدر» في مناسبة يوبيلها الذهبي عام 2010 نظراً إلى التعاون الذي جمع الاثنين في بدايات العمل الاجتماعي في لبنان، بالإضافة إلى كونهما رجلَي دين عابرَين للطوائف والأديان. بدأت هذه المؤسسات العمل الاجتماعي في بداية الستينيات تحت راية «جمعية البر والإحسان» إلى أن تأسّست «مؤسسات الإمام الصدر» (مركزها بيروت بتاريخ 2-2-1984) بعد دراسة لاحتياجات الجنوب، وضرورة التركيز على المشاريع التنموية والتعليمية والصحية التي تضمن حقوق المواطن والمجتمع الجنوبي الذي كان يفتقر إلى أدنى مقوماتها، ما جعل السيد موسى الصدر يُقبل على هذه المؤسسات بشغف ويحضنها ويدعمها بشدة. تعددت المهام والأنشطة التي قام بها الإمام منذ بداية الستينيات، لكن انطلاقته الأولى تجسدت في العمل الاجتماعي والانفتاح على المجتمع اللبناني، وتحديداً في «الحركة الاجتماعية» التي أسّسها المطران غريغوار حداد.


 أعرف أنّ علاقة وثيقة كانت تربطك بسماحة الإمام موسى الصدر. كيف تعرّفت إليه؟ ومتى؟
ــــ بدايتي مع السيد موسى كانت عندما أتى حديثاً في بداية الستينيات إلى مدينة صور من إيران. سمعنا عنه أخباراً، وكنت أنا قد بدأت بتأسيس «الحركة الاجتماعية» عام 1959.
سمعنا عنه أنه أنجز أمرين رائعين: أولاً: كسرَ نوعاً من المقاطعة من قبل شباب الشيعة لمحلات المسيحيين. أي أنهم لا يشترون من عندهم (وهذه قصة معروفة). عندما عرف الإمام بالأمر، استاء كثيراً. فقام بشراء قرن بوظة من محلّ مسيحي (أنتيبا) وبدأ بأكله على الطريق. معنى ذلك أنه من الآن وصاعداً ممنوع مقاطعة محلات المسيحيين، لأنّ لا فرق بينها وبين محلات المسلمين. أدّى هذا التصرّف إلى إنهاء المقاطعة في اليوم التالي. ثانياً: ألقى خطاباً في يوم الجمعة تضمّن ما يلي: ممنوع إعطاء المتسولين أموالاً. أرسلوهم إلى «جمعية البرّ والإحسان» (كان قد أنشأها) ونحن ندرس حالته، فإما هذا الشخص يقوم بهذا العمل (التسول) كنوع من المهنة، فنبطله إياها، ونساعده على إيجاد عمل آخر. وإما يصبح عضواً في الجمعية ونحن نساعده. استدلّينا إلى منزله وذهبنا لزيارته مع اثنين من الحركة الاجتماعية. عرّفناه عن أنفسنا (بعدما قلنا له إنّنا سمعنا عنك أخباراً طيبة)، وعن أهداف الحركة الاجتماعية التي هي: لا طائفية ولا خيرية، أي إنها لا تعطي الإنسان، إنما تساعد الشخص ليقوم بتنمية ذاته، ويعمل على تنمية محيطه. وقلنا له أننا نحب أن نتعامل سوياً في «الحركة الاجتماعية»، فرحّب بالفكرة، وأصبح عضواً في المجلس المركزي للحركة الاجتماعية. وأصبح يجتمع معنا كل أسبوع آتياً من صور إلى مركز الحركة في شارع بدارو في بيروت.

في عام 1961، أقمنا مؤتمراً في نادي الجامعة الأميركية. وكان هو المسؤول عن إلقاء الخطاب. وكان عندنا في الحركة مشاريع التنسيق التالية:
– المستوصفات
• محو الأمية
• صيفيات الأطفال.
تحمّس لمشروع المستوصفات وبات مسؤولاً عنها. وكانت مشاريعنا مقسّمة جغرافياً بحسب المناطق، فتولى هو مسؤولية منطقة الجنوب. في الوقت عينه، كانت لدينا لجان حسب الاختصاص مثل، اللجنة:
• التربوية
• الصحية
• القانونية.
كان هو مسؤولاً عن اللجنة القانونية.

 لماذا أُسند إليه عمل هذه اللجنة؟
ــ لأنه اختص في الدراسات القانونية في إيران، أي أنّه كان متخصّصاً في هذا المجال.

 كم استمر بالعمل معكم في الحركة الاجتماعية؟ ومتى بدأ بتأسيس مؤسساته؟
ـــ عمل معنا خمس سنوات أي حتى عام 1965، ثم بدأ يهتم أكثر بالشيعة، إذ كان همه الأساس تجمّع الشيعة وتأسيس كيان مستقل لهم شأنهم شأن الطوائف الكبرى الأخرى في لبنان. عندها ترك الحركة الاجتماعية وانصرف للاهتمام بمشاريعه. كان المجلس الأعلى للمسلمين يضم السنة والشيعة، لكن الهيمنة كانت للطائفة السنية، فأراد أن يعمل على استقلالية تامة للشيعة. قرر وقتها تأسيس: المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وساعده في ذلك آنذاك رئيس الجمهورية الراحل شارل حلو، ثم أسّس «حركة المحرومين»، ثم «حركة أمل» (أفواج المقاومة اللبنانية). وأصبح يجمع الشيعة تدريجاً في بيروت والشيّاح والجنوب وفي كل لبنان. ثم أسهم في تأسيس مجلس الجنوب بهدف دفع التعويضات لأهالي الجنوب في كل مرة يتعرضون فيها للاعتداءات الإسرائيليّة وللتعويض عما ينتج عنها من دمار لدعم صمودهم في أرضهم.

 كيف نشأت عنده فكرة قيام هذه المؤسسات؟
ـــ نظراً إلى حاجات الطائفة الشيعية وحاجات أهالي الجنوب بشكل خاص، وكان يتمتع، في الدرجة الأولى، بروح الاهتمام بالعمل الاجتماعي والإنساني، فأسّس لجاناً من خلال هذه الحاجات. أسس لجنة لكل حاجة وأطلقها، ساعدته في ذلك شقيقته السيدة رباب التي أصبحت عندها لاحقاً مؤسسات كبيرة ومتشعبة مهمة جداً. لاقت هذه المؤسسات اهتماماً وإقبالاً كبيراً عليها من قبل الجنوبيين، نظراً إلى الحرمان والفقر المدقع اللذين كان الجنوب يعيش فيهما. وأسهم المغتربون الشيعة في تقديم تمويل كبير لهذه المؤسسات.

 بعد انضمامه إلى «الحركة الاجتماعية» والعمل فيها مدة خمس سنوات في بداية انطلاقته، هل تذكر أيضاً بعض الشواهد على انفتاحه على الطوائف الأخرى؟
ــ كان ميشال أسمر رئيس «الندوة اللبنانية» يقيم سلسلة محاضرات في الندوة، بما فيها محاضرات حول الدين الإسلامي ورأيه في العدالة، وكان الإمام أحد المحاضرين عن هذا الموضوع، ومن خلالها أصبح يُعرف تدريجاً عند المسيحيين الذين أحبوه كثيراً، وأصبحوا يطلبونه لإلقاء محاضرات عديدة في الكنائس، أشهرها المحاضرة التي ألقاها في «كنيسة سان لويس للكبوشيين» في باب إدريس في بيروت، وكان عنوانها على ما أذكر: «التعاون الإسلامي/ المسيحي». وكنت أنا أسمع جميع محاضراته طيلة شهر رمضان، على الراديو في حينها، أثناء الليل (لم يكن التلفزيون متوفراً آنذاك)، وقد كانت مهمة جداً.

 لماذا أحبه المسيحيون؟
ـــ لأنه كان عنده انفتاح على الآخر، ليس فقط على المسيحيين بل على المسلمين أيضاً. عندما افتتح الجامع في بلدة كيفون في جبل لبنان، دعاني أنا والشيخ عبد الله العلايلي المعروف بانفتاحه أيضاً لتدشين الجامع، وألقى كلّ منّا خطاباً حينذاك. فهو شخصٌ له قيمته الفكرية والروحية، فليس من السهل أن يكون الشخص ملتزماً دينياً وانفتاحياً في الوقت نفسه.

 كيف كنتم تلتقون بعد انفصاله عن الحركة الاجتماعية؟
ـــ كنا نلتقي في المناسبات، وأحياناً كنت أزوره في المجلس الإسلامي الشيعي في الحازمية. وكنت أنا قد أصبحت مطراناً، بعدما كنت كاهناً للروم الكاثوليك في بيروت، وأصبح هو المسؤول عن الشيعة. كان يقول لي مازحاً: أنا أحسدك لأن رجال الدين المسيحيين لا يتزوجون، فلديهم همّ واحد. أما نحن (المسلمون) فلدينا هموم عدة، فلا نستطيع إرضاء لا هذا ولا ذلك!.

 هل التقيتم في ما بعد؟ ومتى كان آخر لقاء معه، قبل سفره إلى ليبيا؟ وماذا قال لك وقلت له؟
ـــ نعم التقينا عندما اعتصم الإمام في المهنية العاملية في رأس النبع في بيروت، عندما أضرب عن الطعام بسبب اعتراضه على التقاتل الذي حصل بين اللبنانيين عندما انقسموا بين أحزاب يميناً ويساراً، وكان الفلسطينيون يساندون اليساريين. ذهبت إلى المدرسة العاملية وقلت له إنني مستعد للاعتصام معك. وبعد نشوب الحرب في لبنان عام 1975، كنا نلتقي في كل مرة تحصل فيها مشكلات وإشكالات لنساعد في حلها. فكانوا يطلقون علينا تسمية الأطفائية، لأننا كنا نحل المشكلات في أماكن عدّة. وقبل اختفائه، التقيت به في مناسبة عيد، لكن لا أذكر ما دار بيننا.