الرئيسية / مقالات / الإعلامية ديما صادق: لن ينجحوا في (تخويفك)!

الإعلامية ديما صادق: لن ينجحوا في (تخويفك)!

غادة السمان
القدس العربي
20072019

كنت مسافرة، وحين عدت إلى باريس قرأت متأخرة ما وجدته في انتظاري بعد غيبتي، وطالعت في الصفحة الأولى من «القدس العربي» مقالا حول الإعلامية ديما صادق.. ومتاعبها! وبعدما تم جرها إلى المحاكمة دونما وجه حق قبل أعوام، ها هي صادق من جديد تكتب صدقها و«تقوم القيامة» لدى البعض الذين لا يطيقون الرأي الآخر.. حتى حينما يقال بكل عقلانية وتهذيب أخلاقي كما تقوله ديما صادق.

انحيازها إلى العدالة: لن تسكت!

حين انتقدت ديما صادق إحجام صاحبة منزل في بلدة «الحدث» اللبنانية عن تأجير بيتها للبعض لأنهم من المسلمين، تطبيقا لقرار البلدية (1)، لم تكن منحازة إلى دين معين بل إلى العدالة في وطن من المفترض أنه يحق لكل إنسان الإقامة فيه حيث يحلو له، مسلما كان أم غير ذلك. وقالت ديما كلاما هادئا منطقيا متسائلة: أليس المسلم من اللبنانيين كسواه؟ ورفضت العنصرية والطائفية التي يغذيها البعض ووجدت فيها «خطرا مرعبا». وأتفق معها، وأجد في المنطق الطائفي العنصري مشروعا لحرب أهلية لبنانية ثانية.
ودهشت لرد البعض عليها واتهامها «بالبغاء الإعلامي»! وهي لغة لا تليق في الحوار، والمدهش أنه جاء على لسان مسؤولة في أحد (التيارات) اللبنانية، ومن المفترض أن يكون في لبنان تيار واحد، هو احترام حرية الرأي الآخر والرد عليه بشكل لائق بدلا من الغطس في المستنقع العدواني والقول إن «الفجور موضة والبغي الكلامي حرية»، وفي رأيي أن الفجور الحقيقي هو في عدم السماح لأحد بإبداء رأي آخر ووجهة نظر أخرى قابلة للنقاش.

بين نصفي السوري ونصفي اللبناني

تتساءل ديما: هل أستحق التهديد لأني قلت «هناك أطفال في سوريا واليمن يموتون». نصفي السوري أحب تعاطف ديما مع الطفل السوري، ونصفي اللبناني (منذ نصف قرن) أحب موقف ديما الشجاع في مواجهة مسؤولة في تيار لبناني كنت أظن أن من ينطق بلسانه سيكون أكثر احتراما للعقل اللبناني والمنطق.. ولا يستنفر موجة من التعليقات التي تسيء إلى أصحابها وليس إلى ديما صادق.

التحريض على الاغتصاب جريمة!

بدلا من الرد على ديما صادق بلغتها الهادئة العقلانية، وجدنا أنفسنا أمام منطق: «بتستاهلي حدا يغتصبك كمان، ليه في أوسخ منك»؟ أي تستحقين الاغتصاب ايتها القذرة!
وجدت في كلام كهذا ما يستحق الجر إلى المحاكمة. في فرنسا، التحريض على الاغتصاب كتابة أو على الإنترنت جريمة، كما قال لي صديق محام فرنسي، وهي تهمة لا تقل خطرا عن التحريض على القتل. ولا أدري ما هي القوانين اللبنانية، لكنني أعتقد أن على المحرض أن يفكر أولا: هل يريد تعريض أخته أو زوجته أو أمه للاغتصاب كعقاب لها على أفكارها بدلا من الحوار؟ ألم يدر أن كل عقاب يلوّح به يمكن أيضا استعماله ضده؟

عوقبت ديما على رأيها الحر والوطني بكلام غوغائي يجب معاقبة صاحبه من قبل التيار الذي يدعي الانتماء إليه ويسيء إلى سمعته حين يتهم صاحبة الرأي الآخر بالعهر الأبجدي، أي البغاء!

رأي ديما حر ووطني ليس غوغائيا

عوقبت ديما على رأيها الحر والوطني بكلام غوغائي يجب معاقبة صاحبه من قبل التيار الذي يدعي الانتماء إليه ويسيء إلى سمعته حين يتهم صاحبة الرأي الآخر بالعهر الأبجدي، أي البغاء!
وهذا المناخ العدواني الذي يكاد يسيطر على محاولة حوار أو مجرد إبداء رأي، كما فعلت ديما صادق، ليس مؤشرا على إمكانية العيش الديمقراطي المشترك بين الأفكار في لبنان، بل هو جرس إنذار بأن الكراهية صارت لدى البعض أكبر من العقلانية، إلا إذا قام التيار بتصويب مسرى اتباعه وتوعيتهم على أن هذه اللغة ليس للحوار، بل الاستفزاز والأذى المجاني.
وأسجل لديما صادق شجاعتها وقدرتها على ضبط أعصابها في مواجهة جنون العدوانية هذا كله، حيث ظلت كل كلمة تقولها متزنة وهادئة، وفشل البعض في جرها إلى القاع اللفظي والعقلي الذي لم يعد يفكر أصلا داخل مرجل الكراهية المتقد.. وأحببت قولها كرد على التحريض على اغتصابها واتهامها أيضا بالبغاء الأبجدي إذ قالت: «الله يهدي الذين يتبعون هذا الخطاب»..

تحية لكل من دعمها

من الجميل أن يكتب المحامي ايلي محفوض على حسابه في «توتير»: «ما تتعرض له ديما من حملات باتت تلامس جرائم الاعتداء الموصوف.. ولا يمكن التغاضي عنه ولا السماح به. هذا السلوك ينبئ بمجتمع جرائمي النزعة، ومجرد التحريض على الاغتصاب مؤشر لعقم أخلاقي».
الصحافي الياس قطار وجد «أن الانتقادات الانتفاضية لديما تجعل كثيرين يتعاطفون معها»، وهو منهم.

أتعاطف معها ومع لبنان!

أتمنى أن يلوم المسؤول عن التيار الذي ادعى بعض أصحابه الدفاع عنه ضد ديما، أن يلوم الذين دعوا إلى اغتصابها، وهو عقاب مكرس للمرأة عندنا! وأعتقد أن كلاما كهذا لا بد أن يستفز الجمعيات النسائية ويوقظها على خطورة هذا القول على نساء الوطن كله، وأفتقد التضامن من الجمعيات النسائية ضد خطاب كهذا.
وكنت أظن لبنان تجاوز هذا المنطق من زمان. وكنت أجد بيروت عاصمة الحرية العربية في القول والحوار.. فمن الذي يحاول ردنا إلى منطق لا منطقي جاهلي متخلف عقليا؟ ولعل من قال ذلك متوهما (الدفاع) عن تياره ســـبب له الأذى ببذاءته وانحداره العقلاني! فهل يعاقب التيار ذلك المنطق الهابط في وهم الدفاع عنه بالدخول في أبجديات «البغاء» و«الاغتصاب» لنستعيد احترامنا لحريته واطمئناننا على مستقبل لبنان؟ ما يحدث لديما صادق يذكرني بقول الكبير فولتير: «أنا ضد ما تقوله حتى الموت، لكنني أدافع عن حقك في أن تقول حتى الموت».

اضف رد