الإسلام المنسي: متى نولي تاريخ البلقان وتغيراته اهتماماً أوسع؟

محمد تركي الربيعو 
القدس العربي
14062019

لا شك في أننا شهدنا في العقود الأخيرة بعض القراءات والاهتمام بما يجري في البلقان. فعلى صعيد الترجمات، كان أدب الحرب في هذا العالم قد بدأ يثير اهتمام بعض المترجمين العرب. مع ذلك، فإنه لو حاولنا اليوم إحصاء هذه الدراسات والروايات وإعداد بيبلوغرافيا دقيقة عنها، نجد أن تطور معرفتنا عن عالم البلقان ما زال تطوراً بطيئاً ووعراً، على الرغم من التطورات العميقة التي عرفها هذا العالم، مع بداية القرن الرابع عشر، مروراً بالتحولات والتغيرات التي عرفها أهل هذه المدن، خاصة في القرن التاسع عشر، بعد انهزام الدولة العثمانية واضطرارها للتخلي عن بعض الأراضي البلقانية لصالح الأوربيين، الأمر الذي فرض على المسلمين هناك التأقلم مع الظروف الجديدة، ومحاولة البحث عن مخارج تضمن وجوداً واستمراراً في هذا العالم الأوروبي، بدل دعوات الهجرة التي أطلقها عدد من العلماء للهجرة إلى إسطنبول وغيرها من المدن العثمانية، أو على صعيد القبول بفكرة العلمانية كبديل واقعي عن الفضاء الإسلامي الذي عرفه.


بيد أنه، رغم كل المحطات والانعطافات التي تُعدّ درساً مهماً لكل المهتمين بتاريخ العلاقة بين الإسلام وأوروبا والحداثة، نجد أن تجربة هذا الإسلام ما تزال تجربة منسيّة، إن صح التعبير. فالعالم العربي لا يولي أهمية لهذه التجربة، بحجة انشغاله بالأزمات التي يعيشها، على الرغم من أن في تجارب ودروس البلقان ما قد يُستفاد منه عربيا، سواء على صعيد مناخ الحرب، أو التقلبات التي عرفتها دول البلقان في التسعينيات.
ولعل من بين التجارب النادرة التي سعت لتعريفنا بعالم البلقان، وما عاشه من تغيرات، يمكن تسليط الضوء هنا على مشروع المؤرخ الكوسوفي/السوري محمد. م. الارناؤوط. فالرجل منذ سنوات وهو لا يكلّ من البحث والكتابة في تاريخ هذا العالم المنسي بالنسبة لنا كعرب، وهي دراسات أهم ما ميزها هو أنها لم تأت من باب المناسبات، أو المرور السريع والمدرسي لتواريخ هذا العالم، بل غالباً ما تميّزت بالجديد، سواء على صعيد المصادر (وثائق الأوقاف) أو على مستوى محاولة التفاعل مع كتابات الباحثين البلقان، ودراساتهم حول تواريخ مدنهم العثمانية أو المعاصرة، وما وفروه من وثائق جديدة عثروا عليها في مكتبة الغازي خسرو بك في سراييفو، أو غيرها من المكتبات البوسنوية أو الألبانية، والمدون قسم كبير منها باللغة العربية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن هذا التفاعل ساهم حقيقة في تعريفنا باسماء عديدة، كان لها وقع كبير على صعيد كتابة التاريخ والمصادر الجديدة، مثل حسن كلشي عالم الوقفيات العثمانية في البلقان، وقد لا نبالغ بالقول إنه لولا دراسات الأرناؤوط لتطلّب منا الأمر سنوات أخرى لمعرفة هذه الأسماء.
أما خلاصة حفريات أرناؤوط وجهوده في تاريخ البلقان، فيمكن العثور عليها في كتابه الأخير «البوسنة والهرسك خلال الحكم العثماني: دراسات ومراجعات» الصادر عن دار الآن بالتعاون مع مؤسسة أرسيكا للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية. إذ حاول في هذا الكتاب جمع ما نشره من أبحاث ودراسات أو وقفيات عثر عليها في مكتبة خسرو بك، وهذا ما ساهم في صناعة معرفة جديدة عن تاريخ البلقان، تمتاز بشيمتين أساسيتين الأولى: أنه أكثر انشغالاً بحياة الناس ويومياتهم وأسواقهم من خلال وثائق الوقفيات؛ والثانية هي محاولته رصد التغيرات الفكرية والسياسية التي عاشتها البوسنة، من خلال التعقب الدقيق لآراء المثقفين البوسنويين بعد سقوط الدولة العثمانية، وكيفية تعاملهم مع واقعهم الجديد.

سراييفو: مدينة عثمانية؟

بعد انتقال العثمانيين إلى البر الأوروبي في عام 1353 واتخاذهم أدرنة عاصمة في 1363 أصبح الفتح العثماني يمثل أولوية للدولة لكي يؤمّن عمقاً جغرافياً للعاصمة الجديدة أدرنة باتجاه الغرب. كانت البوسنة كغيرها من الدول البلقانية تمثل جزءاً من إقطاعيات القرون الوسطى، التي قامت على الحكام الإقطاعيين والقلاع وبعض الضواحي السكنية. كما كانت مدنها الموجودة محصنة، حتى أن مدينة مهمة كبريزرن لم يتجاوز عدد سكانها 3 آلاف نسمة. وفي هذه الفترة بالذات، جاء العثمانيون إلى البلقان بنمط جديد للمدينة الشرقية الإسلامية؛ مدينة منفتحة ومختلفة في عمرانها، وممركزة للنشاط الحرفي والتجاري والثقافي والكبيرة بالمعايير البلقانية السائدة. وقد بدأ هذا النمط بالانتشار بعد فتح أدرنة التي سرعان ما أصبحت المدينة النمطية لمئة مدينة جديدة في البلقان، إذ تحولت بلغراد وسراييفو مثلاً إلى أكبر المدن في أوروبا جنوب الشرقية، وإلى مراكز الثقافة الإسلامية في البلقان، ما ساهم في تشريق البلقان، حتى أن بلغراد بقيت تُعتبر حتى منتصف القرن التاسع عشر بوابة الشرق.

بعد انتقال العثمانيين إلى البر الأوروبي في عام 1353 واتخاذهم أدرنة عاصمة في 1363 أصبح الفتح العثماني يمثل أولوية للدولة لكي يؤمّن عمقاً جغرافياً للعاصمة الجديدة أدرنة باتجاه الغرب.

وفي هذا الإطار كان للوقف في البوسنة دور كبير في نشوء هذه المدن، خاصة أن طبيعة الوقف كانت تفرض مثل هذا التطور، فالأصل في الوقف بناء منشآت تقدّم خدمات مجانية للمجتمع (جوامع، مدارس، زوايا، وغيرها) ولذلك كان الوقف يحرص على بناء منشآت موازية تجر الدخل (أسواق وخانات وحمامات) لتغطية مصاريف المنشآت الأولى. وقد أخذ هذا الوضع يشجع سكان المناطق المجاورة على القدوم والسكن حول هذه النواة، التي تشكّل المحلة الأولى للمدينة الجديدة. في هذا السياق تُعتبر وقفية عيسى بك وثيقة مهمة عن تاريخ البوسنة عشية الفتح العثماني لها، فهي أقدم وقفية عثمانية عن البوسنة، كما أنها توثق لتأسيس مدينة سراييفو، التي غدت المركز الأشهر في البوسنة، ومن أهم المراكز الثقافية الإسلامية في البلقان. ففي الوقت الذي بنى عيسى بك مدينة سراييفو في السهل الذي يشقه نهر ملياتسكا كانت المنطقة تقتصر على وجود قلعة وقرية هودي جد التي تتألف من 36 بيتاً يعمل سكانها في خدمة القلعة. أما نواة المدينة الجديدة فيمكن أن ترتبط بإنشاء عيسى بك للجامع الجديد الذي أسسه على الضفة اليسرى لنهر ميلاتسكا، وهو أول جامع عثماني في البوسنة، كما بنى خاناً وسوقاً وزاوية خُصِّصت لفقراء المسلمين.

مسلمون في دار الحرب

في القسم الثاني من الكتاب، حاول الأرناؤوط التطرّق لتجربة البوسنة مع التغيرات التي عاشتها الدولة العثمانية في قرنها الأخير، والتي أسفرت عن احتلال البوسنة من قبل النمسا في عام 1878. الأمر الذي اعتبر نقطة انعطاف مهمة بالنسبة للسكان المسلمين بشكل خاص؛ إذ شكّل صدمة قوية لهم جعلتهم يصحون على عالم متغير لم يتوقعوه ولم يستعدوا له. وعلى الرغم من أن السيادة بقيت رسمياً للسلطان العثماني خلال الفترة الممتدة بين 1878 و1908 إلا أن السلطات النمساوية كانت تتصرف في البوسنة كأمر واقع، وهو ما كان له تأثير على الحياة الفكرية والسياسة والثقافية للمسلمين هناك، الذين لم يعودوا في دار الإسلام. دفع هذا الواقع عدداً من العلماء والمثقفين إلى محاولة التأقلم، عبر رفض فكرة الهجرة إلى دار الإسلام، وتوسيط مفهوم الوطن والوطنية كبديل عن الفضاء السابق.
ما يوضحه الأرناؤوط هنا هو أن عملية التأقلم هذه لم تكن بالأمر السهل، ففي ظل وقوع البوســــنة بين صربيا الأرثوذكســــية وكرواتيا الكاثوليكية، جاء الغزو العثماني ليعزز من هوية بوسنوية تقوم على الإسلام، وهو ما جعل البشانقة ينظرون إلى الدولة العثمانية باعتبارها دولتهم التي تمثل دار الإسلام في مواجهة دار الحرب في الجوار، وإن واجبهم هو حماية الحدود وأن يضحوا بأنفسهم، وقد ساهم علماء البوسنة في ترسيخ هذه الرؤية، من خلال مؤلفاتهم كعلاء الدين علي دده البوسنوي في «الرسالة الانتصارية» ومصطفى الأقحصاري في «تبشير الغزاة».
بعد حوالي قرنين من الاستقرار في ظل التفوق لم تعد دار الإسلام آمنة من الاعتداء عليها والتنكيل بالمسلمين فيها، ما خلق وضعاً جديداً غير متوقع. في هذه الأثناء، وجد بعض العلماء أن الحل الأمثل يكون في الهجرة لإنقاذ أنفسهم من هذا الوضع. في حين وجد بعض المثقفين العثمانيين أن الحل يكمن في تعميق وتوسيع الهوية البوسنوية. وفي هذا الإطار، ليس من المصادفة أن تشهد سنة 1882 التي تولى فيها كالاي كعثمان باشا مسؤولية البوسنة، صدور صحف ومجلات جديدة تعبر عن التفكير الجديد للمسلمين في هذا الوضع الانتقالي الجديد. ويلاحظ هنا أن الصحف التي صدرت في تلك السنوات كانت باللغة العثمانية، التي بقيت لغة النخبة في السنوات الأولى للحكم النمساوي المجري، ولكنها أفسحت المجال بسرعة لصدور صحف أخرى في اللغة البوسنوية التي كانت تتماشى مع سياسة كالاي وبعض النخب البوسنوية، في إبراز كل ما هو بوسنوي مشترك. حاول بعض العلماء والمثقفين البوسنويين من خلال هذه الصحف مناقشة موضوع الهجرة من البوسنة إلى الدولة العثمانية. فقد كانت الهجرة تتسارع بعد أن أفاق المسلمون من صدمة الاحتلال، خاصة بعد صدور قانون 1881 للخدمة العسكرية الذي أصبح يسري على أولاد المسلمين، ويدفعهم لترك البوسنة والتوجّه إلى دار الإسلام/الدولة العثمانية. كان وجهة نظر المقالات تدور حول فكرة أن استمرار الهجرة يعني تفريغ البوسنة بالتدريج من المسلمين، إذ لم يعد هناك في النهاية من يذكّر بالإسلام. وكان من أهم الحاملين لوجهة النظر هذه رجل الدين الحافظ محمد أمين حادجي أهيتش، والمفتي محمد عزب أغيتش، فقد حاولا التبشير، إن صح التعبير، بمفهوم الوطنية وضرورة التشبث بالوطن/البوسنة لأن في ذلك مصلحة للإسلام أيضاً، بل إن هناك من ذهب منهم إلى تسبيق الوطن على الدين. وقد كان لهذه المواقف التي طرحها علماء وفقهاء بواسنة دوراً في ثني عدد كبير من المسلمين عن ترك بلادهم ومحاولة التأقلم مع عالمهم المتغير.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*