الرئيسية / مقالات / «الأنتي ـ عهدية» حالة لبنانية آخذة في التشكّل

«الأنتي ـ عهدية» حالة لبنانية آخذة في التشكّل

 


وسام سعادة
Oct 01, 2018

سحب اتفاق الطائف صلاحيات تنفيذية من رئاسة الجمهورية، ورَقَشَ لها صيغة غير مبلورة، من حيث هي مرجعية تحكيمية بين اللبنانيين. لم تصمد، بعد الطائف، أيّ من المحاولات لتسطير مرجعية «الحكم» هذه، وإكتسابها «الهالة» بالحدّ الأدنى من حولها. تراجع الصلاحيات التنفيذية لم يجلب المزيد من الكثافة «التحكيمية»، وفي هذا تساوى الأربعة رؤساء للجمهورية الذين تعاقبوا في مرحلة ما بعد الحرب. وحده الراحل الياس الهراوي بينهم، أتى من المدنيين. الثلاثة الباقون، اميل لحود وميشال سليمان وميشال عون، قادة للجيش. لحود انتقل مباشرة من اليرزة الى بعبدا عام 1998، بعد ان صدرت الارادة السورية قبل ذلك بثلاثة اعوام بالتمديد للهراوي رئيسا، وللحود على رأس الجيش.
سليمان أتيح له هذا بعد فترة شغور للكرسي دامت نصف عام وانتهت بالهجمة المسلحة لـ«حزب الله» في 7 أيار/مايو 2008، على بيروت الغربية وبعض الجبل، دون أن يقوم سليمان حينها، وهو على رأس المؤسسة العسكرية، بأي مجهود، ولو رمزي، بازاء هذه الهجمة، متمتعا بنفس الوقت بمبادرة قوى 14 اذار/مارس قبيل الشغور، لاعتماده رئيسا توافقيا، الامر الذي حصّله بعد «صلح الدوحة». أما عون، فقائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية المؤقتة خريف 1988، بموجب «العرف» الذي على أساسه عولج خروج أمين الجميل من قصر بعبدا يومها دون رئيس منتخب يسلّمه السدّة (نظرا لتعاون عون وجعجع في حينه على الحؤول دون تأمين النصاب البرلماني لانتخاب الرئيس)، وهو أصرّ بعد ذلك على أنه لم يزل الرئيس الشرعي للحكومة المؤقتة من المنفى، وكان عليه انتظار أكثر من ربع قرن حتى تحقيق مراده بالرئاسة، أيضا ما بعد فترة شغور برلماني دامت عامين ونصف تأمن فيها «امتناع النصاب» من خلال تحالفه الوثيق مع حزب الله، ثم تأمن وصوله، بفعل التنافر القواتي ـ المستقبلي الذي دفع بالحليفين السابقين الى ترشيحه، بالتتابع!
الاطار الاساسي الذي دعّم «حجية عون» كل هذه الفترة، هو نجاحه بالاحتفاظ بكتلة شعبية مسيحية واسعة تؤيده، وتؤيده تحديدا كمشروع رئيس خلاصي، وخلاصي بالأساس من «الرئاسة الضعيفة»، وهو ما نتج عنه، في اثر عودته من المنفى، تكتل برلماني بقيادته، هو الاوسع بين النواب المسيحيين.
كذلك، كان التنامي النوعي لضعف الرئاسة، بالعزلة الديبلوماسية بعد التمديد القسري لاميل لحود خريف 2004، ولحظات صعود وهبوط النزعة «الاطاحية الشعبية» به بعد ذلك، ثم اكثر، في مرحلة رئاسة سليمان. مظهر لحود، كرئيس معزول ديبلوماسيا، ومنقسم حول شرعيته داخليا، ثم مظهر سليمان، كرئيس ضعيف، بل لعله الأضعف في تاريخ الرئاسات بلبنان، اعطيا حجة أقوى لمقولة «الرئيس القوي»، اي التفاؤل بأن يتبوأ السدة من له كتلة جماهيرية مؤيدة له، وكتلة برلمانية موالية، ويتمتع بالصدارة المسيحية على هذين المستويين، والتفاؤل ايضا بأن تعتمد هذه القاعدة، «الاكثر شعبية بين المسيحيين يرأس اللبنانيين»، باستمرار.
مع انتخاب عون رئيسا، سيجري الاكثار من التداول بلفظة «العهد» اكثر من اي وقت سابق في تاريخ الجمهورية، رغم اكتفاء الدستور بالحديث عن «ولاية» الرئيس، وبفكرة عن «العهد» ملكية أكثر منها جمهورية، وملحمية أكثر منها ملكية. ورغم معارضة الرئيس الدائم للمجلس النيابي نبيه بري لانتخاب عون، لن يفرز هذا الوصول موالاة تحكم ومعارضة تراقب وتضغط، بل حكومة اولى تتشكل من «العهديين» وغير العهديين، علما ان القواتيين مثلا صنفوا في الخانة الأولى يوم انتخاب عون، وان «فهموا» منه بأنه بمعنى من المعاني، «عهده لهم».
الى يوم حصول الانتخابات النيابية، في ايار الماضي، وجهت السهام، في جولات واختبارات عدة، الى وزير الخارجية، رئيس التيار العوني وصهر الرئيس، «وزير العهد» الذي يراد تكريسه كـ»ولي للعهد»، باعتباره الجانب «الدنيوي» من العهد، الذي يمكن التهديف عليه، والذي يمكنه الرد على هذا التهديف بحمولة مضاعفة. شاعت رطانة «الخوف على العهد من ولي العهد»، لكن جرى التحييد، الرمزي أقله، لرئاسة الجمهورية، وثمة من أصرّ فوق ذلك على التمييز، السياسي أيضاً، بين الرئيس عون وبين رئيس التيار العوني صهره جبران باسيل.
التبدّل حصل بعد الانتخابات. يصعب تقدير حجمه، لكنه يوحي بظهور موجة، موجة «أنتي عهدية» تعبّر عن نفسها على مواقع التواصل، وثقافيا هنا وهناك، ظاهرة غير محدّدة المعالم، باستثناء أنّها صارت تهدّف على «العهد» ككل، ليلا نهار. باستثناء تغريدات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، لم تجد هذه اللغة «الأنتي عهدية» طريقها بعد الى عمق النادي السياسي «الأعلى»، لكنها آخذة في الانتشار خارجه. آخذة في التشكّل، غير سهلة التشكّل، والى حد بعيد قوتها في «هلاميتها». عدم التمكن من تشكيل حكومة بعد اربعة اشهر على الانتخابات النيابية هو عنصر اساسي في رواج هذه «الأنتي عهدية»، لكن قوتها كموجة آخذة في الازدياد يتجاوز الموضوع الحكومي. لا يمضي كل نفر الى «الأنتي عهدية» بنفس الدوافع والمحمولات والمرامي، كلّ يسبغها بما عنده. تارة تتسع «الأنتي عهدية» لتكون نزعة «أنتي استبلشمنتية»، وتارة تحصر وتشخصن، لتكون «ضد العائلة الرئاسية ـ الملكية». حتى الآن، غير واضح ما الذي يريده «الأنتي عهديون» بالتحديد، والواضح ان معظمهم لا يريد الوقوف على العناصر الموضوعية التي يستند لها عون رئيسا، وبالذات التماهي الواسع معه من لدن جهاز الدولة اللبناني، خصوصا في عمقه المسيحي، البيروقراطية والعسكر، واحتفاظه بدعم معظم البرجوازية المسيحية، ومعظم الطبقة الوسطى المسيحية، ناهيك عن استمرار الاسناد من قبل «حزب الله». والحال ان «الأنتي عهدية» بشكل عام تتعايش فيها نزعتان، واحدة تهرب من المشكلة مع الحزب، وسلاحه، الى المشكلة مع العهد وولاية العهد، والثانية تدمج المشكلتان تماماً، بحيث يصير العهد عندها هو «عهد الحزب». لكن الأنتي عهدية أيضا مؤشر، مؤشر بأن القوى الأخرى، غير العونيين والحزب، وغير القوات، في حالة ركود أو كبوة أو تصدع متزايد، وبأن القوات نفسها في ورطة، ورطة أن تكون عهديا وأنتي عهديا في آن، فخورا بأنك «من أوصلت العهد»، وجسوراً بأنه «ليته لم يصل».
في «الأنتي عهدية» عناصر متناقضة، وغير متفاعلة بعد بالشكل المنسجم، والمبادر سياسيا، فيها مقدار من الوهم والتبسيط والاختزال، لكن فيها نبضا، وشعورا يزداد غرزاً، شعور بأن استمرار التصويب بهذا الاتجاه، وعدم الاكتراث للضغوط والتعقبات الهشة التي تحاول منع هذا التصويب، بامكانه ان يخلق شيئاً ما. «الأنتي عهدية» حالة شبحية، لا تزال، لكنها حالة جديرة بأن ترصد وتتابع. أكثرها يعتمل في الصدور، ومعظم البوح بها يفتقد الى «الخطاب»، لكن يخطئ من يعتبرها حالة «هامشية»، أو عديمة الأثر، مثلما يخطئ من يسارع لاحتسابها في السياسة، مع هذا ضد ذاك.

٭ كاتب لبناني

اضف رد