الرئيسية / home slide / الأم ميركل والممجدة ميمو

الأم ميركل والممجدة ميمو

29-09-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

لماذا وقف العالم برمّته، يودع انغيلا ميركل، عند جدران برلين وبواباتها وتواريخها؟ لأن العالم لم يرها من قبل في موكب احتفالي، في مهرجان تافه ترتفع فيه الاصوات وتزلغط النساء، ولأن الفراو ميركل اقرب صورة نموذجية ليوتوبيا الحكم: 16 عاماً من العمل، بلا ثرثرة، بلا اقنعة، بلا وعود، متقشفة، لا تذهب إلى “الكوافور”، لم تُشاهد في فستان سهرة، ولم يشاهد لها ابن أو صهر أو ابنة أو صديقة، أو صورة ضخمة أو تمثال أو حفل خاص. فقط مرة واحدة، كل صيف، تكشف ضعفها الخاص: تحضر مهرجان “بايروت” من اجل موسيقى واغنر، وتمضي ست ساعات متواصلة مسمَّرة على كرسيها. الباقي مسؤوليات.

لا تفاهة الموالاة ولا سخف المعارضة. مهمة المستشار ان يجمع بين الاحزاب، من اجل المانيا. لا وقت للمهرجين والطفيليين والصغائر والفاشلين. لا سياسة خارجية عقيمة. لا وقت لشيء، أو لأحد. بدل المؤتمرات الصحافية فتحت ابواب المانيا امام مليون لاجئ سوري، من اقصى الجنوب إلى اقصى الشمال. وتكفلت 30 مليار اورو في ايوائهم، لا اعرف من اين حصلت عليها في موازنتها السنوية التي تبلغ نحو 400 مليار في العام.

الحكم، أن يكون الحاكم بعيد النظر. وعينا ميركل زرقاوان، تريان إلى البعيد البعيد مثل “زرقاء اليمامة”. وهذه خلاصة 16 عاماً من الرؤية والتقشف والغيرية والانسانية والكِبَر. شيء من الأم تيريزا، مليون لاجئ. شيء من كل شيء في الكبار. الفكر الاقتصادي والازدهار والديبلوماسية والسيادة وتواضع كبار القوم. مارغريت تاتشر ولكن من دون قسوتها. انديرا غاندي ولكن من دون عائلتها. هيلاري كلينتون ولكن من دون صغاراتها. 16 عاماً من اجل الخلائط في الإنسان، رجلاً أو امرأة. شجاعة كوندوليسا رايس. وحزم مارغريت تاشتر مع الدخول إلى العالم، وليس مع الخروج منه. هي ضد “البريكست” وضد الجدران وضد الأسوار وضد العفو عن اللؤم والخراب. والفِرقة، والتقسيم. لا تزال البروتستنتية القادمة من الشرق تعمل على تمتين الوحدة مع كاثوليك الغرب الالماني. الحكم، شرطه الأول الحكمة. والحكمة عمل. والعمل قداسة: القداسة ليست مبالغة لفظية. الأم ميركل لا وقت لديها تبدده. تبديد الوقت سرقة موصوفة واخلاق قطاع الطرق. الوقت ملك الناس، وامانة في عنق الحكم. هدره مثل هدر الاعمار والارزاق. هو الرزقة الكبرى. هو الوزنات العشر.

سيدة الوقت، الفراو انغيلا. اضاع المهرجون اعمار الشعوب والأمم وحياة الاجيال. لكارل ماركس اطروحة طويلة فيما سماه “الاستلاب” (Alienation). يقع الحاكم في حب نفسه ويقع الناس في حب الزعيم، ويظل الخلل متفاقماً إلى ان تقع الكارثة. المانيا كلها وقعت في حب هتلر. وهي الآن في حاجة إلى ألف ميركل من اجل تخفيف عقدة الذنب. 16 عاماً من عصر العقل والمنطق، والبساطة والتواضع والمشاعر. واللعنة الابدية على العجرفة.

بعد ميركل، من الصعب على الألمان البحث عن نموذج مختلف. كم كان الفرق فاقعاً بينها وبين شاتمها، دونالد ترامب. في ستة عشر سنة مرّ امامنا نيكولا ساركوزي، وترامب، وبرلسكوني (ونساؤه). ولم تعد الظواهر غير الطبيعية وقفاً على الدول المسكينة والسيئة الحظ وحدها، كما حدث في بعض افريقيا بعد الاستقلال، وإن كانت قد بلغت ذروتها هناك.

فهم جوزف موبوتو العمل “الوطني” بأنه تغيير اسم بلده من الكونغو إلى زائير. وغيَّر اسمه من سارجان إلى امبراطور. وغيَّر اسمه إلى موبوتو سيسي سيكو كوكو تغبندو وا زا بانغا. وللأسم ايحاءات عن القوة الجنسية تعني ما خلاصته: الديك الذي لا يترك دجاجة بحالها. وتمشياً مع امبراطورية الإبن، كان لا بد من تكريم الأم ايضاً. لذلك، كان من الواجب دائماً اضفاء لقب الممجدة على والدة الامبراطور: الممجدة ماما يموا.

سواء كنت مواطناً في المانيا أو الكونغو أو أميركا، فإن وجود السلطة في ايدي العقلاء، يمنح البشر شعوراً بالاطمئنان. فيما كانت ميركل تمنح اللجوء لمليون مسلم مرة واحدة، كان ترامب يصدر قراراً بمنع دخول المسلمين. وكان يحتجز اطفال المكسيك على الحدود. وكان يهدد ويهين دولة المكسيك وشعبها وسائر دول العالم، حلفاء اميركا أو خصومها. ولم يتردد في وصف المستشارة الالمانية بالشر…

عندما تأخر ترامب في إعلان هزيمته قالت ميركل: في الديموقراطية رابحون وخاسرون؟ هذا كل شيء. لن تستخدم في الرد عليه اي مفردة من شارعه. الجهلة والسوقة لا يمكن ان يدركوا ان للأعالين لغة ممنوعة من السقوط، وإن للسلطة مقاماً من الصدق لا يجوز الحط به. نريد ان نعرف من يغدر بالوزير جبران ويقرر منع المغتربين من المشاركة في الانتخابات. ألم تكن تلك الدعوة الأولى في رسالته المقدسة من جنوب افريقيا إلى جزر الكناري؟ يا غايبين رجعوا. هل نسيتم حساباته واعداد العائدين وبلاطة الدياسبورا على مدخل وزارته ذات الكرسي الامبيري. من امبير. وكل ما هو مذهب ومكعب يعتبر طرازاً امبيرياً. ذلك كان ذوق نابوليون. والطراز المذهب يحمل اسمه. وحتى اللحظة لا يعرف أحد كم اهرق الامبراطور في جولات الانتشار. كل ما نعرفه ان لبنان يدخل زمن المجاعة للمرة الأولى منذ قرن. وإن سياسييه لا يعنيهم أنهم يستعرضون أنفسهم امامنا بكعوب عالية ورؤوس منخفضة.

إلى أين بعد؟ لقد وعد الرئيس ميشال عون ان يكرِّس السنة الأخيرة من ولايته للاصلاحات. مهمة شاقة وطويلة. نحن نتمنى ان يخصصها للمصالحات في هذا البلد المفكك مثل سيارة “للكسر”، كل قطعة تبحث عن شاريها. أن يستخدم الرئيس قوته المعنوية والدستورية من اجل ان يجمع من فرَّقه سواه، بدءاً من العائلة واصولها وفروعها. لا شيء ولا أحد يستحق ان يكون رئيس الدولة على عداء مع معظم اهلها ومكوِّناتها. لا يجوز ان تنتهي الولاية، والجمهورية نفسها في حكم الانتهاء. نسي الالمان إلى اي حزب تنتمي السيدة ميركل. 16 عاماً وهي اعلى من كل حزب ومن كل خلاف. أقرب إلى حكم المَجمَع من حكم الحكومات. ومن بعدها سوف تبدو فكرة الزعامة مثل موضوع انشاء مدرسي مليء بالبلادات المكررة. إثر جميل لا نقاش حوله ولا جدل. سلام أكثر جدوى من كل حروب العالم. واسمها على لائحة الالمان الأخرى، إلى جانب غوته وبيتهوفن وريلكه. عبقرية التواضع والطمأنينة. أولى سيدات القرن الحادي والعشرين، وكما ارتبط تاريخ بريطانيا باسم الملكة فيكتوريا سوف يرتبط تاريخ المانيا بالفراو انغيلا. نصب العمل والصمت.