الرئيسية / home slide / الأكلاف الاقتصادية للعقول المحدودة

الأكلاف الاقتصادية للعقول المحدودة

09-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

مازن عبود

مازن عبود

تعبيرية.

A+A-

تكلم #كاوشيك باسو عن التكاليف الباهظة للعقول المغلقة (2022) وتأثيرات الشعبوية الكارثية على الاقتصاد في المدى البعيد. واعتبر أنّ “الشعبوية الحادة تؤدي إلى غرور متضخم وتفكير ضبابي”، فتضع الحواجز أمام الأفكار ورأس المال والمبادرات.

أوقفت المادة 32 من قانون الموازنة (5-3-2020) كل المساهمات والمساعدات والهبات التي تمنحها المؤسسات والمرافق العامة ولم يستثنِ التدبير حتى المصارف والشركات وكل أشخاص القانون العام المملوكة أو الممولة جزئياً أو كلياً من الدولة. ومنعت أي إنفاق يخرج عن مهمّة هذه المؤسسات المباشرة كما حدّدت سقف الإعلانات، وذلك لتخفيف النفقات ووقف الهدر. بالطبع ثمة هدر ونفقات من بوابة الإسهامات لكنه يبقى يسيراً نسبياً مقابل هدر العجز في التعاطي مع ملفات كالدين العام والكهرباء والمناخات المحفزة للتنمية والسياسات المالية والنقدية. كان يمكن ضبط إنفاق الإسهامات في مشروعات لا تلزم لكن مع الإبقاء على بعضها لضرورات التصدّي للأزمات والكوارث ولتحفيز تطوير ونموّ مرافق وبلديات.

لا تستطيع حتماً ضبط الطبيعة البشرية وما تديره من مؤسسات بشكل كلي، لكنّ ثمة هدراً يمكن تحمّله لضمان وجود وسائل فعّالة ومرنة للتعاطي مع الكوارث والأزمات. كان من الممكن أن يتمتع المشرّع بالدراية فيعي أنه يعيش في منطقة ملتهبة وبلد سمته عجز يولّد كوارثَ وأزمات، ممّا يستلزم مرونة وفعالية. “كاسترو وحبوبة” تزوّجا لكنهما لم ينجبا مخافة أن يغرق الولد المنتظر في “محقن مياه العوينة”. والرفيق “يعقوب” اعتبر أنّ اغتيال جورج حاوي إنما أتى لمصلحة الشهيد كي لا يشيخ وينحرف. مخيف ومكلف هذا المنطق إذا ما ساد في مجلس النواب والوزراء والدولة، فأكلافه إحباط وهجرة وشلل. أكلافه انحلال الدولة بتراجع فعاليتها وانحلال أدوارها وتراجع ثقة الناس بمؤسساتها وارتفاع في منسوب الطائفية.

أمقت عقولاً تكبّل الناس كي لا يخطئوا، وتعتبر أنّ الإداري الجيّد هو الذي يحمي نفسه، ولو على حساب الناس وديمومة عمل المرفق. أزمات بمستوى الكورونا والانهيار وانفجار بيروت وأزمة الغذاء العالمي تواجَه بعقلية وقوانين الجماد. “أبو النسم عبر المحيط الأطلنطي على متن قشة” ومجلسنا يواجه الغرق بالقش. نفرح بالموظف الذي يقترح على رئيسه ضرورة “القيام بما ترونه مناسباً”. الخوف من التعثّر هو التعثّر. ثمة محدودية في التشريع وجبن في الأداء. وأما المطلوب فمرونة وتحفيز للاستدامة وإلا فالانهيار.

المشكلة ليست المادة 32 التي كبّلت المرافق وبالتحديد بلدية بيروت في خضم كارثة انفجار الرابع من آب، بل في العقول التي تمخضت عن مثل هذه النصوص في مثل هذه الفترات.
نعم، للعقول أكلاف على الاقتصاد. فبلدنا يفبرك “كراسي قدام” لكن من دون مسؤوليات. أوجدت القوانين لتنظيم العمل وتفعيله وضمان تطوّره واستدامته لا لشلّ المؤسسات. المطلوب اليوم استبدال عقليات الجماد ومواد التكبيل بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة. المادة 32 ليست إلا أنموذجاً لمنحىً يجرّم مسبقاً ويحاكم ويكبّل ويبطل الغاية من إنشاء شركات وبلديات ومصارف ومؤسسات تمتلكها أو تسهم فيها الدولة جزئياً أو كلياً. عالمياً، الدول والشركات اليوم لا تفتش فقط عن الربحية والفعالية، بل عن وسائل تضمن استدامة العمل أكبر ومرونة أكثر للتصدّي للتحديات(Miller, Holmes. 2022).

لا أعلم متى يتخلص البلد لا فقط من الفساد بل من العقول المكلفة!

المطلوب أن تعي بعض العقول التي هي في مواقع التشريع والتنفيذ والإدارة أنّ استدامة العمل والمرونة مفتاحا النهوض واستدامة القطاعات في زمن السقوط والانهيار.