الأسد أمام دولة تحكمها روسيا وتحاصرها تركيا

تمارس روسيا أدواراً عدة في سورية، فهي من الناحية الفعلية دخلت سورية كدولة حليفة للنظام في حربه على أطياف المعارضة بشقيها: أولاً، السياسي وحاضنته الشعبية التي خرجت ضد نظام الأسد منذ عام 2011، وثانياً، بشقها المسلح المحسوب بعضه على الثورة، بسبب ظهوره العفوي وغير المنظم، وهو رد فعل شعبي لعسكريين وضباط ومدنيين على عنف النظام في مواجهة التظاهرات السلمية، (وهذا شبه غائب تقريباً منذ عام 2013)، بسبب تسلط بعضه الآخر الذي يعمل لمصالح الدول التي أنشأته، ومكنته من السيطرة على ساحات القتال، بحكم دعمه الخارجي المتعدد الوجه والهدف، ولأجندات متباينة عدة على الأرض السورية، ليس فيها ما يتقاطع مع الهدف الأساسي لثورة قامت ضد قمع الأجهزة الأمنية، ومن أجل الحريات والمواطنة وإقامة العدالة التي استولى على مفاتيحها الجهاز السلطوي بأذرعه الأمنية المتعددة الممتدة داخل سورية وخارجها.

ومع تطور أدوار موسكو من التدخل في الصراع المحلي في سورية، ومواجهتها صراعاً دولياً على سورية، نشأت أدوارها المركبة، حيث لعبت دور الوسيط في العلاقة بين النظام وتركيا التي كانت في الجهة المتحاربة معها، ومع النظام، منذ بدء الثورة 2011، مروراً بإسقاط الطائرة الروسية (في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، حتى رسالة الاعتذار التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد سبعة أشهر على الحادثة، ومن ثم زيارته موسكو قبل معركة حلب نهاية عام 2016 التي انتهت بالسيطرة الروسية على المدينة، وخروجها من أوراق التفاوض التي أضعفت المعارضة، وأنذرت منذ ذلك الوقت بإنهاء ملف الصراع المسلح بين الفصائل والنظام، تحت وصاية تركيا وضمانتها ل»الفصائل»، والذهاب إلى تطبيع كامل للعلاقات التركية – الروسية، ما أنتج مسار آستانة الذي جمع بين تركيا وإيران الحليف القوي للنظام من جهة مقابلة، ومهد عملياً لاستعادة النظام على المناطق المتنازع عليها تحت مسمى اتفاق خفض التصعيد، والوصول إلى حوار سوتشي (مطلع هذا العام) الذي روج لحل الصراع باختصاره في لجنة دستورية، تتقاسم تمثيلها الجهات الدولية المتصارعة.

من هنا، يمكن فهم أسباب اختصار الصراع السوري – السوري بخلافات حول مفاهيم دستورية والعمل على تعديلات جوهرية يقلب مفهوم الدولة الواحدة المستقلة، ويحاكي مبدأ قيام «الكانتونات» التي يمكن في لحظة أن تنتظم داخل الدولة أو تأخذ خيارها – في لحظة تحول إقليمي – في الانفصال (استفتاء على تغيير الحدود)، وفق نصوص قيل عنها أنها مقترح روسي لمسودة دستورية، فهذه المضامين الدستورية تتناسب وأدوار موسكو العدة في سورية، ومع دول الجوار، وضمن ما تمكن تسميته التحالف الضمني مع الولايات المتحدة الأميركية لتنفيذ خطتها في سورية، وفض الصراع على أساس تسويات تعيد تشكيل الشرق الأوسط الجديد، وفق حدود قابلة لتحريك الخرائط دولياً.

لكن، ومع ذلك، فإن رؤية موسكو إلى الدستور السوري الجديد تتناسب مع مرونتها السياسية من ناحية، وتقلبات تحالفاتها الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من ناحية ثانية، كما أنه يعبر عن حالة قلق روسي تجاه علاقاتها بالولايات المتحدة الأميركية على رغم تطمينات قمة هلسنكي التي اعتبرها كثر من الخبراء والمحللين بمثابة تسليم ورقة سورية لروسيا رسمياً، مقابل أن تلعب روسيا دور شرطي المنطقة، وعراب المصالحات والتسويات الإيرانية – الإسرائيلية، والإيرانية – الأميركية، من دون أن يخل ذلك بالمطلب الأساسي وهو تغيير وجه المنطقة، وغسلها من ملامح الهيمنة الإيرانية، وإبعاد أخطار إيران من دول الخليج العربي، ضمن معطيات تغيير أولويات هذه الدول من صراعها مع إسرائيل، إلى صراعها «المسور» داخل مذاهبها الدينية، وخلافاتها القومية والسلطوية المصلحية.

ويبدو تشكيل اللجنة الدستورية الذي أخذ في الاعتبار تحقيق الرغبة التركية في أن تكون لها اليد العليا في تسمية أعضائها، هو أحد أوجه التسويات الروسية التي اعتمدت مبدأ «المسايرة» قبل عقد أي اجتماع دولي على أراضيها، حيث تحتاج موسكو إلى شركائها في آستانة ليجلسوا خلفها في سوتشي 2، لتكون رئيسة لتحالف إقليمي في المنطقة تجمع بين متناقضين (تركيا وإيران) إلى طاولة مصالحها، مقابل ما يمثله مندوب فرنسا والغرب، والمبعوث الأممي لوجهة النظر الأميركية، في الاجتماع المزمع عقده نهاية هذا الشهر .

وهي في الوقت ذاته، سربت أساسيات ما تعمل على تغييره داخل الدستور السوري لتعطي إسرائيل ضمانات، أن وجود الأسد في السلطة سيكون لمصلحة الرغبة الإسرائيلية في إنهاء ملف الجولان لضمه إلى أراضيها، هذا في حال استطاعت تمرير المسودة المتضمنة بنداً يسمح للرئيس بذلك، حيث اقترحت المسودة المسربة إمكان تغيير الحدود عبر الاستفتاء العام وعادت لتؤكد في المادة 59: «يحق لرئيس الجمهورية إعلان الاستفتاء العام حول المواضيع المهمة والتي تخص المصالح العليا للبلد، وتعد نتائج الاستفتاء إلزامية»، وهي رسالة روسية إلى تركيا أيضاً، وحلفائها من الفصائل السورية المعارضة، بإمكان قبول ما يروجه مؤيدوها في مناطق نفوذها في إدلب وريف حلب ومناطق درع الفرات حول»استفتاء» لانتزاع هذه المناطق من الدولة السورية، وضمها إلى تركيا أسوة بالمحافظة 15 السورية (لواء اسكندرون)، وهذا ما يبرر غلبة أسماء»الإخوان المسلمين» السياسيين والعسكرين والمناصرين لهم في عضوية اللجنة الدستورية التي رشحها الائتلاف التابع سياسياً لتركيا، والتي تستخدم ورقة نحو أربعة ملايين من اللاجئين السوريين في وجه النظام من جهة وفي وجه الغرب من الجهة المقابلة.

ومن الجهة الأخرى، فقد وجهت روسيا رسائل تطمين «غير كافية» – حسب الفاعليات الكردية غير الملتزمة بالقرار التركي – لحلفاء الولايات المتحدة الأميركية من الكرد بتغيير اسم الدولة السورية، وإلغاء عروبتها، مقابل اندماجهم في مشروع التسويات مع النظام السوري، وإلغاء المطالبات باللامركزية السياسية، ما يمهد الطريق إلى قبول كل ممثلي الأطراف المتصارعة على سورية بالجلوس معاً ضمن ما سمي اللجنة الدستورية، واختصار مطالب السوريين من تغيير النظام الحاكم عبر هيئة انتقالية، إلى تغيير في دستور سورية الذي لم يكن يوماً قادراً على لجم التجاوزات عليه، أو يملك أدواته التنفيذية القادرة على مواجهة تجاوزات السلطة الحاكمة، أو الأجهزة الأمنية، والدائرة القريبة من منظومة الحكم .

وختام القول أن ما تسعى إليه روسيا اليوم ليس إعادة النظام إلى حكم سورية ما قبل 2011، فهو بين محكوم من روسيا ومحاصر من تركيا، ما يجعل دوره مجرد ورقة ضغط على المجتمع الدولي لتوسيع حجم أدوارها خارج سورية، وضمن التزامها بدورها كضامن لمصالح الجميع، من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وإيران وتقاطعاتها جميعاً مع المصالح الاقتصادية، والهواجس الأمنية مع دول أوروبا جميعها.

* كاتبة سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*