الرئيسية / أبحاث / الأزهر وابن عربي

الأزهر وابن عربي

 خالد محمّد عبده
الأحد 17 مايو 202001:31 م
https://raseef22.com/article/1078342

يشتدّ الجدل حول ابن عربي ويضعف، لكنّ موقف الأزهر، ممثّلاً في أعلامه الكبار، موقف يتسم بالتقدير والعرفان لأعمال الشيخ الأكبر، فقد أعلن مفتي مصر الأسبق، الشيخ علي جمعة، رأيه في كتابات ابن عربي في حديث مفصّل، تابع فيه نهج المدرسة الأزهرية القديمة، وبصورة خاصة تعاليم الشيخ زكريا الأنصاري، ومفاد رأيه أنّ ابن عربي، مثله مثل ابن حزم، اجتهد وأصاب أو اجتهد وأخطأ، فهو مأجور، لأنّه بين الصواب والخطأ لا بين الحقّ والضلال.

إنّ شخصية أخرى من شخصيات الأزهر المعاصرة لعبت دوراً كبيراً في تقديم ابن عربي للقارئ المعاصر، ألا وهي شخصية شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب، فقد تكفل الشيخ بترجمة العمل الأهمّ والأبرز لعثمان يحيى، Histoire et classification de l’oeuvre d’Ibn Arabi 2 Volumes إلى اللغة العربية، بعنوان “مؤلفات ابن عربي”.

يشتدّ الجدل حول ابن عربي ويضعف، لكنّ موقف الأزهر، ممثّلاً في أعلامه الكبار، موقف يتسم بالتقدير والعرفان لأعمال الشيخ الأكبر

رأى الشيخ أحمد الطيّب أنّ ترجمة هذا العمل التحقيقي ستحلّ مشكلة من مشاكل التعامل مع النصوص الأكبرية، ففي مقدمة الشيخ الطيّب لترجمة عمل ميشيل شودكوفيتش، رأى أن مشكلة تراث ابن عربي تعود إلى أمرين، الأوّل هو موسوعية هذا التراث وتنوّع مجالاته وحقوله المعرفية، وتوزّعه بين مئات المؤلفات، ما بين مجلدات ضخمة، وكتب متوسطة، ورسائل صغرى، وما بين مطبوع ومخطوط، وما بين صحيح النسبة ومشكوك في نسبته إليه ومنحول.

لذا أشاد الشيخ الطيّب، كما غيره من الباحثين، بجهد عثمان يحيى الذي خصّص أطروحته للدكتوراه بجامعة السوربون بباريس، لمؤلفات ابن عربي، من حيث تصنيفها وتاريخها وأماكنها، المطبوع منها والمخطوط، المفقود والموجود، في قائمة طويلة من مكتبات العالم في الشرق والغرب، التي استطاع زيارتها وفحص خزاناتها، وصدرت هذه الدراسة في جزأين باللغة الفرنسية عام 1964، من منشورات المعهد الفرنسي بدمشق.

الأمر الثاني الذي يواجه قارئ ابن عربي، الغموض الشديد الذي يستحكم من وراء تعبيرات من أجمل التعبيرات وأكثرها دقة وتحديداً على المستوى اللغوي أو الدلالي، ما يثير في ذهن القارئ ظنّين متناقضين تمام التناقض، فقد يُحسن الظن بما يقول، ويعود به، بعد تأويل ميسور أو متكلف، إلى المتعارف عليه من قواعد الإسلام، وقد لا يُحسن الظن فيتوقف عند بعض المواضع ليكثف من حولها أبعاداً وظلالاً من الارتياب، يتأذى منها آخر المطاف، إلى أن هذا أو ذاك من نصوص ابن عربي يصطدم ويتعارض مع هذا الأصل أو ذاك من أصول الإسلام.

مشكلة تراث ابن عربي تعود إلى أمرين، الأوّل هو موسوعية هذا التراث وتنوّع مجالاته وحقوله المعرفية، وتوزّعه بين مئات المؤلفات، والأمر الثاني الذي يواجه قارئ ابن عربي، الغموض الشديد الذي يستحكم من وراء تعبيرات من أجمل التعبيرات وأكثرها دقة وتحديداً على المستوى اللغوي أو الدلالي

يمكن اعتبار ترجمة الشيخ أحمد الطيّب لكتاب ميشيل شودكوفيتش “الولايةُ والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي” مساهمة في حل هذه الإشكالية التي تجعل القارئ مستبصراً لا رهيناً لما قيل عن ابن عربي قديماً ومردّداً له. ويلتمس الشيخ الطيب العذر لقارئ ابن عربي، المخالف له بناء على الأمرين السابقين، وفي الوقت نفسه يكشف عن كون المخالف والمقلّد لابن عربي لا تعدو آراؤهما عن كونها مجرد نقل لما يُقال عن ابن عربي، فلم تنفذ إلى هذا العالم الثري أو تتعرف عليه بالقدر الذي يؤهلها لقولٍ فصلٍ في شأنه، وبصرف النظر عن المحبة التي يحملها البعض لابن عربي، لا يمكن وضع هذه الشخصية العملاقة إلا ضمن مجموعة المؤلفين المسلمين.

في وقت لاحق، شاركت جامعة الأزهر والسفارة الإسبانية بالقاهرة في إحياء ذكرى ابن عربي، في دار الكتب والوثائق القومية عام 2008، وكان الشيخ أحمد الطيّب لا يزال رئيساً للجامعة وقتها، وكان على رأس قائمة الحضور السفير الإسباني بالقاهرة أنطونيو لوبيث، الذي ألقي الكلمة الافتتاحية للمؤتمر، مشيراً إلي أهمية فكر ابن عربي في إرساء قيم التسامح بين الحضارات والعقائد‏،‏ وتحدث بعده الدكتور أحمد الطيب (رئيس جامعة الأزهر آنئذ) ملقياً الضوء على مسيرة ابن عربي، باعتباره فيلسوفاً جمع بين الغرب وأسراره، والشرق وأنواره، منذ نشأته في بلاد الأندلس‏،‏ في حقبة تاريخية شهدت ازدهار الحضارة الإسلامية وانتصارها للتسامح. وفنّد الطيّب جانباً من الاتهامات التي ردّدها خصوم ابن عربي في عصره واتهامهم له بالكفر،‏ مشيراً إلى أن ابن عربي كان متمسكاً بالشريعة المحمدية،‏ وإن قامت فلسفته على قبول الآخر مهما كانت عقيدته، استناداً لمفهومه الرحب عن الإيمان‏.‏

يذكّرنا ما يراه الشيخ الطيّب، بما قاله عثمان يحيى محقّق “الفتوحات”، فحينما أراد أن يقدّم الفتوحات المكية للقارئ العربي، جرد الموسوعات الإسلامية السابقة بداية من “البيان والتبيين والحيوان” للجاحظ و”رسائل إخوان الصفا، وقوت القلوب” لأبي طالب المكي و”إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي و”العقد الفريد” لابن عبد ربه، وغيرها من الموسوعات التي جعلته يرى في الفتوحات خير ممثل وجامع للإسلام والمعارف الإنسانية.“كَعَبَات” غير مرئيّة في حفلات الذِكْر… صوفيّات فلسطين“ما يُشبه الكعبة”: هل الحجّ ممكن بالنيّة؟تعرّفوا على الأزهر وأبرز رجاله عندما كان شيعياً

إن موقف التوقف عن إصدار حكم في شأن كتابات ابن عربي في رأي الشيخ الطيب، أفضل بكثير من التسرع وتبنّي أحكام التكفير الجزافية، فهل تأثّر الأزهريون المعاصرون بما قاله الشيخ الطيب؟ وهل كان الحال في مصر أفضل من السابق؟

قبل عشرة أعوام من ترجمة الشيخ الطيب لعمل عثمان يحيى مؤلفات ابن عربي، تاريخها وتصنيفها، كان كتاب الفتوحات المكيّة بتحقيق عثمان يحيى قد صدرت عدة أجزاء منه في مصر، بتقديم إبراهيم مدكور، وقد اعترض التيار الإسلامي في مصر، ممثلاً في بعض الإخوان المسلمين، على طبع الكتاب، وكانت حصيلة تلك الاعتراضات أن أصدر أحدهم كتاباً في القاهرة عام 1989 بعنوان “كتاب الفتوحات المكية وما وراءها من أيادٍ خفية”، نشرته دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية. وجسّد صلاح جاهين عبر رسوماته في جريدة الأهرام، مطالبة بعض الإخوان المسلمين بحرق كتاب الفتوحات المكية، ودار الزمان مرة أخرى وتجدد الحديث في وقت تولي الإخوان المسلمين الحكم في مصر (2012-2013)، ونوقش في مجلس الشعب إتلاف كتاب الفتوحات المكية.

على أيّة حال، كانت الاعتراضات في أغلبها على كتابات ابن عربي من التيارات الإسلامية اعتراضات سطحية، لم تقرأ ابن عربي ولم تتعرف على عالمه، وقد بيّن محمود الغراب أخطاء مؤلف “كتاب الفتوحات المكية وما وراءها من أيادٍ خفية” في مقال مطوّل، ظهر من خلاله أن المؤلف المخاصم لفكر ابن عربي اعتمد على أقوال شائعة عن الشيخ الأكبر من أجل إدانته فحسب، دون الرجوع إلى المصادر الموثقة التي لا يرد فيها أغلب ما نسبه المؤلف إلى ابن عربي. لم تكن الاعتراضات على ابن عربي موجهة من الإخوان المسلمين فحسب، بل ظهرت فئة من خريجي الأزهر وطلابه، يقولون بكفر ابن عربي ويحذّرون من أعماله.

أقيم في القاهرة القديمة ضريح تقديراً لشخصية سيدي عليّ الخوّاص، شيخ الإمام الشعراني، هو شيخ صوفي تقترب صورته من صورة شمس التبريزي، مؤدب ومعلم مولانا جلال الدين الرومي، فالفضل في تكوين الشعراني الصوفي يعود إلى سيدي علي الخواص، فكلّ رؤية حقة عاشها الشعراني وخبرها كانت بسبب تعرّفه على الخوّاص، ذلك الصوفي الأمي، وعنه روى الشعراني الكثير من الإشارات الإلهية والفوائد الصوفية، حاول الشعراني رد الجميل لأستاذه فصنّف عنه كتاباً مستقلاً حمل عنوان “درر الغواص من فتاوى سيدي علي الخواص”، لكننا إذا تتبعنا مؤلفات الشعراني وجردنا مقالات الخوّاص منها، سنحصل على مادة وفيرة أضعاف ما رواه الشعراني في كتاب “الدرر”.

عُين الشيخ مروان البجاوي، وهو أحد الأئمة المتخرجين في الأزهر الشريف، إماماً وخطيباً لهذا المسجد. يشير البجاوي إلى عدم جدوى الخطاب الصوفي الأكبري، لما يحمله من “باطنية” نحن في غنى عنها اليوم، إذ يُؤتى الإسلام من قِبل هؤلاء، والإسلام اليوم غريب لم يجد من ينتصر له. ومن اللافت للنظر أن البجاوي يستند في هجومه على أفكار الشيخ الأكبر إلى أنموذج يؤكد مخاوفه من انتشار آراء ابن عربي وضررها بالمسلمين والإسلام، فيستشهد بفاعلية ثقافية لإحدى الكاتبات المصريات “فاطمة ناعوت” التي تثير كتاباتها الصحافية الكثير من الجدل، ولا يعدو استشهادها بابن عربي عن كونها ناقلة لبعض أبيات قصائده الشهيرة- أدين بدين الحب- أو قراءة كلمات عابرة، مثلها مثل غيرها من الشباب الذين التفتوا إلى ابن عربي عبر قصائده الشعرية، وبشكل محدد بعض الأبيات التي يجري فيها ذكر الحبّ والولاء له عقيدة وديناً.

إنّ الإشارة إلى البجاوي إشارة إلى التناقض الذي يحياه المسلم المعاصر بحكم خوفه على تديّنه وتديّن البسطاء من أن يذهب سُدى، وأن يقع في غواية ما تطرحه الدولة من خطابات هشّة للدين، أو تقديم نماذج وتصديرها تحيك الثوب الديني على قدر ما يُطلب منها من تفاصيل.

يظل ردّ الفعل هنا هو المحرك للخائف على تديّنه ويغيب الفعل المؤسس، ويقع الشخص في تناقضات لا تظهر له إلا بعد فترة، حينما يريد أن يطوّر تجربته أو يضعها تحت مجهر التقويم والصقل.

ويمكن إعطاء أنموذج على التناقض، بالإشارة إلى تبجيل الشيخ يوسف النبهاني، الذي تقدر مؤلفاته بشكل كبير في الأوساط المعادية للسلفية والوهابيين، كما هو ملاحظ بوضوح عند أتباع العقيدة الأشعرية، وقد التفت إلى ذلك العالم الفرنسي الذي تحول إلى الإسلام بفضل معرفته بالتصوف، وصار اسمه علي شودكوفيتش، يؤكد شودكوفيتش أنّ مقدمة كتاب النبهاني المشهور “جامع كرامات الأولياء” لا يعدو كونه تلخيصاً للباب (73) من الفتوحات المكية، وجميع مؤلفاته تحيل بكثافة إلى ابن عربيّ، وقد اعتمدها في الدفاع ضدّ اتهامات ابن تيمية وأنصاره. فالاستناد إلى النبهاني وغيره من الصوفية المحبين لابن عربي، هو في حقيقته عودة إلى نصوص الشيخ الأكبر، فلا يمكن الإنكار على ابن عربي، وتبني أحاديث بعض محبيه وهي في حقيقتها أحاديث ابن عربي نفسه، لكننا نلتفت إلى التبسيط ونعدّه تصوفاً “معتدلاً” وغيره يصبح “باطنياً” يسهل الإنكار عليه!الأزهرابن عربيالصوفيةالفتاوى الدينية