الرئيسية / مقالات / الأزمة النقدية تتفاعل: هل تُرك الحاكم وحيداً؟

الأزمة النقدية تتفاعل: هل تُرك الحاكم وحيداً؟

لم يكن تهديد أصحاب محطات المحروقات أمس بالاضراب الاثنين المقبل إلا الدليل الواضح على أن المعالجة بالمسكنات لأزمة ما بات يُعرف بـ”الدولار الاجتماعي”، أي الذي يغطي استيراد النفط والقمح والدواء، غير ناجعة، ولم تنجح في احتواء الازمة، بل ذهبت بها أبعد، بعدما كرّس تعميم المصرف المركزي ازدواجية التسعير، فاتحا بذلك المجال، بقصد او من دون قصد، على تفلت الدولار الاميركي من سقوف السعر الرسمي.

لا يعني تصعيد أصحاب المحطات، معطوفا على استمرار التشدد والتضييق في المعاملات المصرفية المتصلة بالسحوبات والتحويلات، إلا أن الازمة ذاهبة الى مزيد من التصعيد، في ظل تعذر المعالجات الرسمية المسؤولة، التي لا يُفهم غيابها إلا تقصيرا وعجزا عن التعامل مع الواقع وعن إدارة الازمة، بعدما بلغت خطها النهائي، وباتت المعالجات المتوافرة ضمن الخيارات المقبولة من السلطة غير كافية.

منذ اجتماع بعبدا المالي مطلع أيلول الماضي، والذي هدف الى تأمين الغطاء السياسي للإجراءات الصعبة المطلوبة تجنبا للانهيار، وأفضى الى تشكيل هيئة طوارئ، أكثر من شهر انقضى، ولم يشعر اللبنانيون بأن اجتماع بعبدا وضع البلاد على سكة الإنقاذ، فلا قراراته ترجمت إجراءات، ولا هيئة الطوارئ التأمت، بل على العكس، شكلت التطورات المتسارعة مصدر قلق جدي حيال الانزلاق الخطير الحاصل، الذي بدا كأنه يسرّع الانهيار، ولا يساعد على تجاوزه.

لم يأت اجتماع بعبدا على البارد، بل كان نتاج تصنيفين دوليين صدرا في 23 آب الماضي عن وكالتي “ستاندرد اند بورز ” و”فيتش”، وضعا لبنان على لائحة “الخردة”، تحت ضغط مهلة لا تتجاوز الاشهر الستة لإنجاز الاصلاحات المطلوبة، في ظل التحذير من تراجع احتياطات المصرف المركزي ومخزونه الذي لن يكفي إلا لـسنة وفق “ستاندرد اند بورز”، فيما بدت “موديز” اكثر تشاؤما في تقديرها للاحتياطي، وهي كانت سباقة في خفض التصنيف الى “Caaa1″، واضعة تصنيفها قيد المراجعة، مع إمكان خفضه خلال الأشهر الثلاثة المقبل، “في ظل عدم إحراز تقدم في تأمين مساعدات مالية خارجية بما فيها أموال CEDRE، بالإضافة إلى اعتماد الحكومة بشكل كبير على احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتلبية المستحقات المقبلة للسندات بالعملات الأجنبية، وهو ما يهدد قدرة المصرف المركزي في الحفاط على ارتباط الليرة بالدولار”، علما ان لدى لبنان سندات أورو بوند تستحق في تشرين الثاني المقبل بقيمة 1.5 مليار دولار، وتستعد وزارة المال والمصرف المركزي لطرح اصدار استبدال في الاسواق لم تتضح شروطه وآلياته بعد.

والواقع ان تقدم الحكومة في درس مشروع موازنة 2020 لا يزال بطيئا، كما عمل اللجنة الوزارية المكلفة درس الاصلاحات المالية والاقتصادية، في حين كان ينتظر من اجتماع بعبدا ان يطلق صفارة الخطر ويحول الحكومة واللجان خلية نحل تعكف على مسابقة الوقت لإقرار خطوات إنقاذية تقي البلاد شر الوقوع. لكن ما حصل، ولا سيما في ظل استمرار التجاذبات السياسية وتقاذف المسؤوليات، أن الإشارات الفورية المساعدة على استعادة ثقة الاسواق لم تُطلق، بل أطلقت على عكسها إشارات سلبية تفاعلت معها الاسواق بالسلبية عينها، فتفاقمت في الاسابيع القليلة الماضية أزمة السيولة، بعد الاجراءات المقيدة التي اعتمدها المصرف المركزي لسحب الدولار من السوق، بالتزامن مع اجراءات تقشفية مماثلة عمدت اليها المصارف، أثارت موجة من الخوف في أوساط المتعاملين. وبقطع النظر عن كل التفسيرات والتحليلات حول الاسباب والاهداف، وهي باتت في التداول، فإن المواقف الرسمية لم تساعد على تخفيف حدتها ولم تطمئن الناس الى عملتهم وودائعهم، بما يقلّص تهافتهم على شبابيك المصارف، ويحد من تفاقم الازمة واستنزاف الثقة بالعملة وبالقطاع المصرفي. في حين يسعى الحاكم رياض سلامة المتروك وحيدا على رأس الحاكمية من دون مجلس مركزي يساعده ويغطي قراراته وتعاميمه، الى القيام بمهمة طمأنة المتعاملين من خلال القرارات التي يلجأ اليها، رغم كلفتها الباهظة، على غرار التعميم الاخير الذي عزز قيام “دولار اجتماعي” في موازاة الدولار المفقود من المصارف والمتوافر في السوق الموازية محررا من قيود السعر الرسمي، وخاضعا لمعادلة العرض والطلب، حيث الطلب يفوق بأضعاف واضعاف العرض!

وعليه، انقلب مشهد الاستقرار الاقتصادي والمالي الى مشهد من انعدام التوازن ادى الى قيام سوقين احداهما رسمية، واخرى موازية، من شأنها اذا طال امدها ان تستنزف احتياطات المركزي المتروكة لمهمة تغطية فاتورة الاستيراد والحاجات التمويلية للدولة، فيما دخول اموال جديدة الى البلد بات مهمة شاقة، لم تعد اغراءات الهندسات المالية كافية لجذبها، امام ظاهرة خروج ودائع عند موعد الاستحقاق.

وفيما تجهد المصارف الرازحة تحت عبء العقوبات الاميركية في الحفاظ على سيولتها وودائع عملائها، تنشغل القوى السياسية بمماحكاتها، منقسمة بين طابورين: احدهم ناكئ للجروح وآخر دافع في اتجاه رد البلاد نحو الفتنة تحت كل مسمياتها!

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد