الرئيسية / أضواء على / الأبي بيار في البقاع

الأبي بيار في البقاع

البروفيسور أنطوان غصين
هنا لبنان
https://hounaloubnan.com/
16032020
ترجمة شربل النجار

 كان عام 1960 ….وكنت ساكنًا  في البقاع. هتف لي يومًا المرحوم ميشال أسمر  ليعلمني  بقدوم “الأبي بيار” الذائع الصيت  الى زحلة في اليوم التالي . وكان  الرئيس فؤاد شهاب قد دعاه  لزيارة القرية الأشدّ فقرًا في البقاع.  لذا طلب منّي ميشال تنظيم برنامج الزيارة  .
كان ميشال أسمر مفكرًا وإنسانا إنسانًا، أسس الندوة اللبنانية التي حضنت الحياة الثقافية في لبنان. وكان “الأبي بيار”  كاهنا كاثوليكيا فرنسيا ينتمي الى الإخوة الكبوشيين وهو قسّ كاثوليكي شارك في المقاومة الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية وأسس فيما بعد  رابطة إيمايوس لإسكان الفقراء. أما  تسمية إمايوس فنسبة  الى قرية فلسطينية وردت في المقطع الأخير من إنجيل لوقا  تدعى “عماوس”.
 يستند تمويل هذه الجمعية الى  ما تبيعه المؤسسة  من أدوات وأواني مستعملة  ليُصرف المدخول  في بناء المساكن للذين دون مأوى.
ذاعت شهرة “الأبي بيار”  إثر ذلك الشتاء القارص ، شتاء 1954 الذي قضى على المشردين مما أطلق، بحسب الصحافة يومها ،حركة تمرّد واسعة عرفت ب “تمرّد الطيْبة” .
إستقبلت في اليوم التالي “الأبي بيار” ومرافقًا  له  فصله القصر الجمهوري لهذه المهمّة. وبعد وجبة سريعة وبعض الصور للزائر المميّز مع عائلتي توجهنا الى “كفرزبد” قرية تقع جنوب زحلة وفي محاذاتها. ولم تكن تلك القرية هي الأفقر في البقاع ولكنها قرية غارقة في الفقر وقريبة من زحلة فاخترتها  لأوفّر على الزائر عناء السفر وهدر الوقت .
عند وصولنا وكان رئيس بلديّة  “كفرزبد” قد أُعلم بوصول الزائر المشهور، ضيف رئيس البلاد ، حاول استقبالنا في منزله. فطلبنا منه زيارة البيت الأشد فقرًا في “كفرزبد” عملًأ بتوجيهات فخامة الرئيس. فأوصلونا إذ ذاك الى منزل طُلب من ساكنه و صاحبه ألا يوفرّ سؤالًا أو نقدًا أو إنتقدًا يوجهه الى ذلك الزائر الكبير.
لقد أستُقْبِلنا في غرفة واسعة الأرجاء وهي في الوقت عينه غرفة جلوس وطعام ومنامة. تحوي سريرًا واحدًا بينما
يفرش الأولاد على الأرض للنوم .
لقد فاجأ الأبي بيار صاحب الدّار بسؤال  لا معقول وغير منتظر إذ قال : ” هل تبيت البقرة التي تعيشون من خيرها  معكم في هذه الغرفة أيام الشتاء أم تبيت خارجها”؟
 انتفض صاحب الدار مغتاظًا مما إعتبره مسًّا بكرامته وقال “في الخارج بالطبع”! فإلتفت “الأبي بيار”  نحوي وقد لاحظ سعة الغرفة ونظافتها وسلامة تهوئتها عبر نوافذ عريضة تسمح بدخول الشمس إليها فقال : “نحن بحاجة الى غرف كهذه الغرفة لإيواء نصف البشريّة.” إذهبوا الى إفريقيا وأميركا اللاتينية والهند وبوليفيا على سبيل المثال وتأملوا قليلا كيف يعيش الناس هناك. سأقول غدًا لرئيسكم أن بلدكم غير فقير وبرنامج نهضوي لثلاث أو خمس سنوات كفيل بحل كل مشاكلكم. بإمكانكم أن تعتبروا أنفسكم محظوظين لأنكم تعيشون في هذه البلاد.

لم نكن في ذلك الزمن نعايش أزمة النازحين السوريين! لكن “الأبي بيار”  كان قد أسس في بيروت عام 1959 أولى تجمعات عماوس الإستثنائية في لاطائفيّتها بالتعاون مع نائب مسلم سنّي هو أنور الخليل ومطران كاثوليكي هو غرغوار حدّاد وماروني يدعى ميشال أسمر. كان اسم ذلك التجمّع “واحة الأمل”

بعد تلك الزيارة الى كفرزبد حاضر “الأبي بيار” في إحدى صالات السينما في زحلة ، وقد أحدثت تلك المحاضرة دفعًا عارمًا باتجاه مساعدة المحتاجين والذين هم دون مأوى.

من تلك المحاضرة علق في ذهني قولان مأثوران لذلك الكاهن الفذّ :

الأول : إن ثمن البسمة أقل من ثمن الكهرباء ولكنها تزودنا  بالنور كما الكهرباء لا بل  أكثر.

والثاني  : علينا أن نعيش لبعضنا وليس ضد بعضنا.


نص مترجم
من كتاب :
 Grandeurs et servitudes de la chirurgie: Professeur Antoine Ghossain.   

اضف رد