الرئيسية / home slide / الآخرون – أهل السلطة هم الجحيم

الآخرون – أهل السلطة هم الجحيم

لوحة لمحمد شرف.

أشاهد، الآن، فيلم “لا لا لاند” ربما للمرّة الخامسة أو أكثر، ولا أرى من حولي في هذه اللحظة، وفي وقتٍ موازٍ، سوى بؤس هذه المدينة وتهافتها.

شابة وشاب في الفيلم، جميلا الطلعة، ممثلان موهوبان، يبحثان عن السبل إلى النجاح بكل ما أوتيا من قوة. بالقوة نفسها، وفي لحظة المشاهدة ذاتها، تجتاز سيارة يقودها سائق أرعن، طلعة الحي. تدعس إطارات السيارة الشبكة الحديد التي تغطي قناة لتصريف المياه، فيصدر صوت القرقعة المعدنية الناتجة من سوء صناعة القالب، والحديد بدوره، ويلتصق الصوت بنغمات البيانو الذي يؤدي ريان غوسلينغ قطعة موسيقية عليه.

ليست مصادفة أن تنال إيما ستون جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة. المرأة رائعة شكلاً، كما أعتقد. عيناها تتسعان لعالم كامل، وإبتساماتها أجمل من زهرة. الأهم من ذلك أنها تمتلك قدرة فائقة على القيام بدورها في الفيلم، إلى درجة تجعلك تعيش واقعها كما تعيشه هي.

ليست مصادفة أن ريان غوسلينغ، عاشق الجاز، صار من الممثلين المفضّلين لديّ، وصرت أهوى موسيقى الجاز أكثر من السابق. يستسلم عازف الجاز إلى المدى، يرتجل ويستجيب ما يمليه عليه الموقف بحريّة منفلتة من القيود.

ليست مصادفة أيضًا أن كرهي ازداد للموسيقى والأغاني الصادرة عن السيارات التي تدور، بلا إنقطاع، حول مرجة رأس العين.

لا تتوقف السيارات عن الدوران في تلك الحلقة المفرغة، منفّذةً تلك “البرمة” التي تتطلّب منك خمس دقائق كي تقطعها سيراً على الأقدام، في حين يستوجب الأمر ربع ساعة أو أكثر من السائق الذي لا يغادر يده هاتفه المحمول، وهو المنتشي بأغاني علي الديك ونعيم الشيخ، وآخرين لا أعرف اسماءهم.

علي الهق، إبن المنطقة البقاعية التي نحن منها، المنتقل إلى تعقيدات العاصمة وجحيمها، انتحر يائساً على رصيف مقهى، وانتحر آخرون في زوايا أخرى، لكن ذلك لم يمنع السيارات من الدوران حول المرجة. كان في إمكانهم خفض صوت الموسيقى والأغاني الهابطة على الأقل، المتصاعدة بعنف أجوف من نوافذ آلياتهم، تقديراً لحرمة اليأس المقيم، لكنهم لم يفعلوا ذلك.

اضطر ريان غوسلينغ أن يلبّي أمنيات المصوّر، حين طلب منه أن يعضّ على شفته السفلى، وأن ينكّس النظارات في حركة مصطنعة. انصاع للأمر مكرهاً. فرقة الجاز في حاجة إلى حملة دعائية مدعومة بصور منتقاة بدقة، وغوسلينغ في حاجة إلى عمل يقيه فكرة الإنتحار، وإن لم يكن قتل الذات وإفناؤها يتم دائماً بسلاح. بعض الإنتحار يبقي المرء جثة حيّة تتململ في أتون مستعر.

حققت ميا (إيما ستون) حلمها في أن تصبح ممثلة مشهورة، في الفيلم وفي الحياة الواقعية. وحقق سيب (ريان غوسلينغ) حلمه في أن يصبح مالكاً لمقهى جاز. نجح الإثنان في تحقيق ما أرادا، لكنهما لم يعودا معاً، عاشقاً وعاشقة. لم ينتهِ الحب، لكن الواقع كان أقوى.

هذا الواقع، الحقيقي والمختلف من حيث المكان والظرف، كان أقوى بكثير في وقعه على علي الهق. نجح الرجل في محاولة الإنتحار. لم يتطلًب الأمر سوى مسدس وقرار. تدبير المسدس سهل في بلد السلاح المتفلّت، واتخاذ القرار يصير سهلاً حين يصبح الموت أسهل من فجيعة الحياة.

تذكرتُ العبارة التي علقت في ذهني، العائدة إلى أحد الكتاب الفرنسيين: “لقد فشلتُ في حياتي، لكنني سأنجح في موتي”. بلد بكامله قابل للإنتحار. لم يتخذ سكانه القرار، بل سبقه قرار النحر الصادر عن طبقة سياسية يخاف أفرادها على حياتهم، وعن حكّام لا شأن لهم بحياة الآخرين. “الآخرون هم الجحيم”، إذا ما استعملنا عبارة سارتر بصفة الجمع. لكن الآخرين، هنا، ليسوا الناس، بل الذين دفعوا علي الهق وسواه إلى خلاص يقيهم الفجيعة في زمن موت الأحلام.