افتتاح معرض الرسّامين الإهدنيين المستوحى من أعمال صليبا الدويهي… حين يأتي حاملُ السر وحيداً ليجسِّدَ أرضَه وشعبَه


بريشة صليبا الدويهي.

(كلمة انطوان الدويهي في افتتاح المعرض الفني المشترك للرسّامين الإهدنيين، المستوحى من أعمال صليبا الدويهي، في مبنى الكبرى الأثري في إهدن، مساء الخميس 17 آب 2017)

سبق لي التحدّث والكتابة مراراً عن صليبا الدويهي، رسّام الشرق الأوّل، الذي يختصر في شخصه ومساره قرناً كاملاً من فن الرسم اللبناني، في بعديه المدني والديني، وعن ريادته في الانتقال الفريد، الخلاق، من الكلاسيكية إلى الانطباعية إلى التجريبية وصولاً إلى الحروفية والتجريد المطلق، محتفظاً على مدى طريقه الطويل بجوهره الواحد، وبرؤيته الواحدة.

في افتتاح هذا المعرض غير المعهود، الذي يقدّم فيه رسّامو إهدن – زغرتا لوحات مستوحاة من عوالم صليبا الدويهي، إهداءً وتحيّةً لروحه، أودّ الإسهام بتأملين إثنين، وبثلاثة مقترحات:

التأمّل الأوّل، كيف يأتي شخصٌ واحد، لا أكثر، في وقت لا يعرفه أحد، ولا يتوقعه أحد، فيعبّر، وحده، عن جوهر ذاته وروح شعبه وأرضه، في آنٍ واحد. هكذا كان الطفل، صليبا الدويهي، الذي رأى النور في بيت متواضع، على بعد أمتار لا اكثر من مبنى الكبرى، حيث نحن الآن، ليلة عيد الصليب (الذي أولاه والداه اسمه)، من شهر ايلول 1909. قبل هذا الطفل، لم تكن الجماعة الإهدنية مجسَّدَة في الفن، ولا عالمها الطبيعي ومشهدياته ومدارات محيطه وآفاقه. جسّد صليبا الدويهي أبهى تجسيد مشهديات إهدن ووادي قاديشا وجبل لبنان، طوال حياته المديدة، ونقلها وانتقل معها إلى المشرقية والعالمية.

همُ الأفراد الكبار، حاملو السرّ. وقبله بثلاثة قرون، البطريرك أسطفان الدويهي الذي جسّد أعمق تجسيد روحانية شعبه وأرضه وتاريخهما، والعلامة جبرائيل الصهيوني، أوّل رموز التفاعل الثقافي مع الغرب وأهمّ روّاده، هذا التفاعل الساكن عميقاً ذات مجتمعه، وقبل قرن ونصف القرن، يوسف بك كرم، بطل الكيان اللبناني، رمز الحرية، والاستقلال، وعلمهما، منطلقاً من إهدن، التي كانت في حينه الحصن الأمامي لجبل لبنان، إلى لبنان، وعبر اقتحامه المسألة الشرقية، إلى العالم.

التأمّل الثاني، أنّ صليبا، مثله مثل جبران، أحدهما جهة قزحيا والآخر جهة قنّوبين، ذهب بعيداً في حمله الطبيعة اللبنانية داخل نفسه. ثمّة أمر لافت عند هذين المبدعين لم يلحظه أحد. مع أن جبران وصليبا أمضيا عمرهما في الغرب، في الولايات المتحدة الأميركية أساساً، مع إقامة أحدهما في فرنسا والآخر في فرنسا وبريطانيا، فإننا لا نجد شيئاً من طبيعة الغرب ومشهدياته في أعمالهما قطّ. وهو أمرٌ غريب. لا شيء في رسوم صليبا الدويهي، ولا في أدب جبران خليل جبران ورسومه، إلا طبيعة وحيدة واحدة: وادي قاديشا وجبل لبنان. كأنّهما أدخلا هذا الجبل إلى نفسيهما، وأغلقا الباب والنوافذ. ما عادا شاهدا أي شيء آخر، على مدى عمرهما. كأنه، بالنسبة إليهما، الطبيعة الوحيدة التي تستحق دخول عالم الأدب وعالم الفن، هي الطبيعة اللبنانية.

أشعر عميقاً بهذا الأمر عبر تجربتي الذاتية في العلاقة مع الطبيعة، على مدى العشرين عاماً التي أمضيتها في باريس وأوروبا، ويثير فيَّ تساؤلات جمّة، مع ان مساري كان مختلفاً. نحن، أبناء جبل لبنان، مرضى بحب هذا الجبل حتى الوله، هذا الجبل وشاطئه وبحره وسهله. يسكننا اعتقاد راسخ في تربيتنا وأعماق نفوسنا، بأنه الأجمل والأكثر فرادةً في الدنيا. وهذا كان شأن جبران وصليبا.

أسمح لنفسي في هذا المجال بإيراد شهادة شخصية عن ليلتي الأولى في باريس، التي أتحدّث عنها في كتابي “حديقة الفجر”، وممّا ورد فيها: “لكنّي لم أتخلَّ لباريس عن شيئين: العصافير والشجر/ في الليلة الأولى التي أمضيتها هنا سمعتُ في الصباح الباكر اصوات العصافير. كانت العتمة لا تزال مخيّمة في ذلك الصباح الشتائي الباكر. أصغيتُ مندهشأً وقلت في نفسي: ما هذه العصافير الليلية؟ ثم سألت نفسي: هل من عصافير في باريس؟/ كأني شعرت أن عصافير باريس هي عصافير اصطناعية. لكنها لم تكن تماماً كذلك. كأنها نوع من العصافير الضعيفة التي تختلف في طبيعتها عن العصافير. كأنها سريعة الولادة وسريعة الموت. كأنها يمكن أن تسقط فجأة في طيرانها/ وكمثل العصافير شعرت في لاوعيي أن أشجار باريس اصطناعية، او كأنّها هي ايضاً نوع غريب وضعيف ينمو بسرعة ويموت بسرعة/ وكان لا بدّ ان تمرّ شهور قبل أن اعترف لباريس بعصافيرها وأشجارها”.

بعد ذلك، مع مرور الوقت، ولجتْ جمالات الطبيعة الغربية فسحات نفسي، جنباً إلى جنب مع جمالات الطبيعة اللبنانية، وتداخلت معها. لماذا هذا الاختلاف؟ هل لأننا ننتمي إلى جيل، غير جيل جبران وصليبا؟ هل لأن رؤيتنا الفنية بعيدة عن رؤيتهما؟ ام لأن جبران وصليبا عرفا لبنان البهيّ، رمز الجمال الأرضي في المخيلة المشرقية والمتوسطية والأوروبية، على مدى آلاف السنين (يهتف أرتور رامبو في إشراقاته: “يا لبنانات الحلم!). أما نحن فعرفنا هذا اللبنان المشوّه، المدمّر بالبناء العشوائي المخيف وتوابعه، الملوّث، المحروق الغابات، الفاقد الروح، الذي ينخره الفساد والفاسدون حتى أعماقه، وما من حسيب؟

أما المقترحات الثلاثة فهي:

أولاً- جميل حقاً ان تكون سنة 2017 هي سنة الفنان صليبا الدويهي. لكن الأجمل والأهم، وإلى حد بعيد، أن يكون لصليبا الدويهي متحفُه الدائم، في إهدن، هنا في الكبرى، ليضم عددا كبيراً من أعماله، ولتنقل إلى أفيائه رفاته، وليرتفع في ساحته تمثال برونزي له، على طول هامته، على غرار تمثالي البطريرك الدويهي وجبرائيل الصهيوني. مثل هذا المتحف، مكسبٌ فني وسياحي كبير لإهدن ولبنان. صحيح أنها مهمّة صعبة، في غياب أي هبة فنية من الرسام لمدينته، ونظراً لما تتطلبّه من مخصّصات مالية، وخصوصاً من جهاز بشري وفني، أمين وشفاف ونظيف وصاحب اختصاص ومعرفة ودقة. وهنا، ربما، الصعوبة الأهم. لكن مجتمع إهدن – زغرتا له من الطاقات المادية والثقافية ما يجعله قادراً على رفع هذا التحدي. ولدينا معلومات بأن بعض كبار اصحاب المجموعات الفنية على استعداد للمساهمة في هذا المشروع الفني والوطني الكبير.

ثانياً – إجراء مسح شامل لأعمال صليبا الدويهي، والتدقيق فيها، ووضع جدول دقيق لها، بمقاساتها، ومواصفاتها الفنية، وتواريخها، وأماكن وجودها، للخروج من المتاهة الراهنة. في الوقت نفسه، وضع كاتالوغ فني علمي، بأعلى المقاييس، لأعماله وسيرة حياته، يرافقه معرض استعادي كبير له. هذه المهام الثلاث يجب ان تتم بشكل متلازم عبر متحف سرسق. ومثلما فعل متحف سرسق في السنوات الماضية لمصطفى فروخ وعمر الأنسي وسواهما، ومثلما يفعل الآن لأمين الباشا، لماذا لا يُخصّص مثل هذا المجهود لصليبا الدويهي أيضاً؟ لكن كي لا يموت حق، يجب ان يكون وراءه مُطالِب.

ثالثاً- تضم زغرتا ثروة فنية فريدة، هي جدرانيات صليبا الدويهي في كنيسة مار يوحنا المعمدان، وهي في أي حال ثروتها الوحيدة في الفن الحديث والمعاصر. فضلاً عن أهميتها الجمالية والروحية، تنطوي هذه الجدرانيات على أهمية تاريخية كبرى، وتمثل منعطفا بارزاً في تطور الرسم الديني عند الموارنة. إنها المرة الأولى التي يخرج فيها الرسم الديني الماروني من إطار فن النهضة الأوروبية، نهضة القرنين الخامس والسادس عشر، ليكتسب هوية مشرقية تندمج وتتآلف فيها مصادر إلهام متعددة في بوتقة خلاقة واحدة. لا بد من ترميم هذه الجدرانيات بأعلى المواصفات الفنية والتقنية، نظراً لما يهددها من عوامل متراكمة. إضافة إليه، يجب تصويرها بأدق معالمها، بأدق التقنيات المتوافرة اليوم، وحفظها، واستخدامها لوضع كتاب فني ضخم عنها. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإشراف مباشر من متحف سرسق، على كل شاردة وواردة، او بالاستعانة بالمتاحف الأوروبية.

على أمل ان تلقى هذه المقترحات آذاناً صاغية، وقلوباً منفتحة، وإرادات مُبادِرَة.

والا يكون قائلها مجرّد صوت صارخ في البرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*