الرئيسية / home slide / اغتيال الظواهري: هل قتلت أمريكا آخر أشباح العولمة؟

اغتيال الظواهري: هل قتلت أمريكا آخر أشباح العولمة؟

أيمن الظواهري وأسامة بن لادن

 محمد سامي الكيال
القدس العربي
04082022

يصعب استنباط نتائج سياسة ذات دلالة من اغتيال أيمن الظواهري، زعيم تنظيم «القاعدة» فالرجل قضى سنواته الأخيرة على هامش الأحداث على الأغلب، وبدا أن الزمن قد تجاوز منظوراته وأساليبه في العمل التنظيمي والمسلّح، خاصة أن الأجيال اللاحقة من الجهاديين اتخذت مسارات مختلفة، لا يمكن التعرّف فيها على كثير من الرؤى التي حرّكت الظواهري في أوج نشاطه.
ولذلك قد يكون من الأجدى النظر في الدلالة التاريخية والرمزية والثقافية لمقتل هذا الزعيم، الذي شَغَل، مع رفيقه أسامة بن لادن، الدنيا في يوم من الأيام: أسس الرجلان تنظيماً عالمياً بمعنى الكلمة، في زمن اعتبر فيه كثيرون أن العولمة حتمية تاريخية لا راد لها. حضور «القاعدة» آنذاك كان أشبه بشبح يحوم على مستوى كوني، يبرز فجأة في مكان غير متوقع، يضرب بقوة، ثم يتلاشى، ولذلك يصعب تقدير قوته الفعلية ومدى حضوره على الأرض. ليصبح أثراً على هامش كل خطاب أو قول ممكن عن العالم المعاصر، حتى لو تم السكوت عنه.
كثيراً ما تحدث الأدباء والفلاسفة الغربيون، من شكسبير، مروراً بكارل ماركس، وصولاً لجاك دريدا، عن «شبح» ما، يكون أثراً لا يمكن الخلاص منه، ملازماً لحدث أو فعل يحمل سمات تراجيدية: جريمة نكراء؛ كارثة كبرى؛ صعود مشروع اجتماعي بأثمان باهظة؛ أو حتى خطاباً يحاول، عبثاً، إعطاء المعنى والحضور. بهذا المعنى فربما كانت «القاعدة» ذاك الأثر التراجيدي المرافق لصعود وانتصار العولمة آنذاك. الظواهري وبن لادن كانا إرهابيين كونيين، لازما تقدّم العولمة خطوة بخطوة، وتركا أثرهما فيها.
إلا أن العولمة لا تبدو اليوم بأفضل أحوالها، وكثيرون يتحدثون عن نهايتها، مع الأزمات المتتالية التي يشهدها العالم. تكاد «السلاسل الطويلة» التي أمّنت انتقال رؤوس الأموال والسلع وأنماط الحياة في زمن ازدهارها، أن تنقطع. و»انضغاط الزمان والمكان» الذي كان يعطي شعوراً مترسخاً في إمكانية وصول عابرة لكل حدود قائمة، يتبدد تدريجياً، لتحلّ محله عوائق كثيرة، تحددها عوامل سياسية واقتصادية وثقافية شديدة الصلابة، تعود لتفرض نفسها من جديد.
أجيال الجهاديين اللاحقة للظواهري أيضاً فقدت كثيراً من عالميتها، فنرى قائداً سابقاً في «القاعدة» مثل أبي محمد الجولاني، لا يطمح لأكثر من «كيان سُنّي» في شمال سوريا؛ فيما يخوض ما تبقى من تنظيم «داعش» حربه على جغرافيا ضيقة في بوادي سوريا والعراق؛ وينحلّ الجهاديون الأفارقة في تفاصيل بيئتهم المحلية، فيصعب تمييزهم عن المقاتلين القَبَليين ورجال العصابات؛ أما «الذئاب المنفردة» في أوروبا فباتت خاملة، وأقرب لحالات اختلال نفسي فردية. فهل انتهى بالفعل زمن المقاتلين/الإرهابيين العالميين؟ وهل يمكن اعتبار زوال «الشبح» المرافق للعولمة دليلاً إضافياً على قرب نهايتها؟

مسخ المقاتل الكوني

ليس نموذج المقاتل الكوني جديداً، أو مترافقاً مع العولمة، بل هو مترسّخ في التاريخ الإنساني، منذ الإسكندر المقدوني على الأقل، إلا أن نمط مقاتلي «القاعدة» كان الأكثر اتفاقاً مع ما تقتضيه عولمة التسعينيات من القرن الماضي، التي وصلت أوجها قبيل الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومن ثمَّ محاولة تعميم نموذج ليبرالي، قام أساساً على فكرة انفصال الذات الفردية عن أي سياق اجتماعي ملزم، إذ يمكن للفرد أن يستهلك ما يشاء من رموز ثقافية، أصبح تداولها «حراً» بما فيها التطرّف الديني.
ارتبط المقاتلون الكونيون، حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، بشروط اجتماعية، بذلوا جهداً كبيراً لفهمها، في سبيل إعادة صياغتها أيديولوجياً في سياق «العالمي»: معاناة الدول المُستَعمرة وشبه المُستعمّرة؛ النضال الأممي للطبقة العاملة وحلفائها الطبقيين؛ العنصرية بوصفها شرطاً ملازماً للتوسّع الإمبريالي. غرق المسلّحون الأمميون آنذاك في مناقشة التفاصيل السياسية والاقتصادية اليومية وتأويلها، لكي يجعلوا احتجاجهم المحلي مفهوماً ضمن بيئة دولية، تشجّع التمرّد الذي يرفع يافطة تحررية كونية.
مقاتلو «القاعدة» الناشطون منذ أواخر الثمانينيات، لم يكونوا بحاجة لكل هذا الجهد الفكري والنظري، تكفيهم مواجهة «استكبار عالمي» يبدو سائلاً وعلى السطح تماماً: لا يوجد «نقيض» طبقات مُستغلَّة، أو شعوب مضطهدة تحفر قبر الإمبريالية، كل ما في الأمر أن هناك شراً، ذا طابع كوني، يتقدّم، مدمّراً الهويات الراسخة والإيمان العميق، ولا يمكن مواجهته إلا بكثير من الشجاعة، وبحركة أقرب لـ»القفزة الإيمانية» التي يمكن للجميع، في كل مكان في العالم، أن يقفزوها، إذ وصل إليهم نور الإيمان الصحيح. تحدّث أنصار القاعدة عن «مسلمين» مضطهدين بحكم هويتهم، لا يقبلهم عالم تعوّد على الضلال؛ وعن «الإسلام» الذي سيعود، ليملأ العالم عدلاً بعد أن ملأه المستكبرون جوراً. معركة أبوكالبسية، سينتصر فيها من قلبه أقرب إلى الحق.
يقدّم الناقد الثقافي الإيطالي فرانكو موريتي استعارة أدبية أخرى، لكن أكثر «مادية» من الشبح، وهي المسخ في رواية «فرانكنشتاين» لماري شيلي، بوصفه نموذجاً لـ»ديالكتيك الخوف» المرتبط بالتحديث المعاصر، وما خلّفه من انقسام اجتماعي: يطلب المسخ الاعتراف والقبول، لكنه يُطرد بلا رحمة، لأنه النموذج المقلوب لجماليات حياة من صنعه، فيعود لينتقم، مهدداً بتدمير العالم بأكمله.

شكّل عمّال مستودعات شركة أمازون في الولايات المتحدة نقابة للدفاع عن حقوقهم، من المتوقّع أن تكون نموذجا جديداً لتضامن العمّال «المرنين» وغير المستقرين، هذا «شبح» لم يكن متوقعاً قبل سنوات قليلة، وقد يكون النموذج الوحيد الذي يمكن النظر إليه بتفاؤل. أما الظواهري وأمثاله فربما ماتوا منذ زمن طويل، ودون الحاجة إلى صواريخ أمريكية.

وعلى المنوال نفسه يمكن اعتبار نموذج «المقاتل الكوني» لتنظيم «القاعدة» المسخ الذي خلقته سلاسل العولمة الطويلة، عنيفا ودمويا وبشعا، لكنه مُنتج مقلوب للعولمة نفسها. منفتح على العالم رغم تطرّفه؛ يبدو عدمياً لكنه يقيم فعلياً نمطاً من العولمة البديلة، تضغط الزمان والمكان من جديد، وتطمس تفاصيله وحدوده، لكي تبني «حقاً» لا تهتم بتأصيله في مجتمع معيّن، بقدر ما تسعى لأن يغزو العالم بوصفه سلعة منافسة. تحدث الفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكوياما عن تهديد النزعات غير العقلانية للاعتراف، التي تتجسد في التطرف القومي والديني، واعتبرها الخطر الذي يواجه أنماط «الاعتراف» العقلاني بالذوات في النموذج الليبرالي، ويبدو أنه كان يُعبّر بطريقة أخرى عن خطر المسخ.
حرب «الاعتراف» هذه، بين التوسّع الليبرالي المعولم، ومسخه المتطرف إسلامياً، تراجعت اليوم على ما يبدو، لتبرز مجدداً قضايا تبدو عتيقة الطراز، مثل الشروط المادية للإنتاج؛ الطاقة وأسعارها؛ القوة الشرائية المنحدرة للطبقات العاملة، حتى في أكثر الدول الغربية تقدماً؛ الشروط الجيوستراتيجية للاقتصاد العالمي، والصراع الدولي على الموارد، وخطوط توريد وتصدير المواد الأولية والسلع. يبدو أن مقتل الظواهري، أتى متزامناً تماماً مع انتهاء الشرط التاريخي الذي خلقه، بوصفه مقاتلاً، أو مسخاً كونياً.

مسوخ الحاضر

يبدو الأثر الذي تخلّفه تراجيديا الحاضر، أقل رومانسية من النموذج الذي قدمه مقاتلو «القاعدة»: إفقار واضطراب متزايد، يُنتج مسوخاً مرتبطين بشدة بشرطهم الإقليمي. وعلى رأسهم المسلحون القوميون، الذين نراهم على طرفي الحرب الأوكرانية؛ رجال الميليشيات، الذين لا يحرجهم كثيراً أن يتحولوا إلى مجرد تجّار ممنوعات، كما في حالة حزب الله اللبناني، والفصائل العراقية والسورية والأفغانية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني؛ موظفو «المنظمات غير الحكومية» حول العالم، الذين لم يعد يعنيهم أن يدافعوا كثيراً عن سمعتهم، بعد أن توضّح لكثيرين زيف الادعاءات الحقوقية التي يرفعونها، وغرقهم بفساد الصراع على موارد الممولين.
مسوخ الحاضر هؤلاء لا يندرجون ضمن أي ديالكتيك للخوف، أي أنهم لا يهددون النظام القائم بانتقام يمكن أن يدمّر بناه، بل على العكس، يعززون الشرط الاستغلالي والاستلابي الذي يولدّه. اليوم لا مجال لأي خطاب كوني، حتى لو كان على طريقة الظواهري. لا يوجد إلا بعض العلامات الفارغة، المتداولة عالمياً على وسائل التواصل الاجتماعي. إنه مآل حزين لطموح العالمية، القديم لدى البشر.

عودة الأشباح

لا يمكن حالياً تقديم مقاربة مفيدة عن النظام الجديد، الذي قد ينتج من أزمات الحاضر. هل سيعود العالم إلى نمط من الإقليمية و»تعدد الأقطاب» مع انقطاع «السلاسل الطويلة»؟ أم أن أنماطاً جديدة من العولمة ستبرز، بناء على ضرورة مواجهة المشاكل العالمية، مثل الأزمات الاقتصادية والأوبئة والاحتباس الحراري وإمكانية الحرب النووية، التي لا تهدد إقليماً بعينه وحسب؟ محاولة الإجابة الآن قد تكون متسرّعة.
في كل الأحوال يمكن القول إن التراجيديا المعاصرة لا بد من أن تصدمنا بأشباح قد لا يمكننا أن نتوقّع أثرها المفاجئ: أشكال جديدة من النضال الاجتماعي؛ بروز نمط مختلف من الوعي، بعد انفضاح ما كان يعتبر تفكير «تقدمياً» في السنوات الماضية؛ أو حتى نمطاً من العنف الكوني، المتولّد عن انحلال الشرط المعولم.
شكّل عمّال مستودعات شركة أمازون في الولايات المتحدة نقابة للدفاع عن حقوقهم، من المتوقّع أن تكون نموذجا جديداً لتضامن العمّال «المرنين» وغير المستقرين، هذا «شبح» لم يكن متوقعاً قبل سنوات قليلة، وقد يكون النموذج الوحيد الذي يمكن النظر إليه بتفاؤل. أما الظواهري وأمثاله فربما ماتوا منذ زمن طويل، ودون الحاجة إلى صواريخ أمريكية.

كاتب سوري