اغتراب

بروين حبيب
القدس العربي
17062019

ما حجم الاغتراب الذي يعاني منه الكاتب في عالمنا العربي؟ سواء في وطنه أو في منفاه؟ فقلّما نصادف كاتبا لا يسكنه هذا الشعور المؤلم، وهو بين أهله، وأحبته، أو حتى بين الأوساط التي يحبها في أجمل عواصم العالم.
يختلف الشعور بالاغتراب عن شعور المهاجر من أجل لقمة العيش، أو الهارب من أجل حياة كريمة، أو الباحث عن الحب الذي حرم منه في عقر وطنه، فالاغتراب يهمِّش صاحبه، حيث يجتمع الآخرون، ويجعل من لغته لغة غير مفهومة، ومن أفكاره مصدرا للإزعاج قد يهدد حياته، هكذا يجد نفسه مثل الشعرة الواقعة في صحن الطعام، مكانه ليس هناك، لا بين أهله ولا بين ذويه. الأسوأ أن لا شيء يُذيب الفوارق بين ضحية هذا الشعور ومن يعيش بينهم، إذ بقدرة قادر لا تفسير لتلك القطيعة، ما يؤكد له أن مكانه في بلد آخر، وثقافة أخرى، وأناس مختلفين.
في روايته « رأيت رام الله « يقول مريد البرغوثي، إن المنفى ليس واحدا لأنه كان دائما متعددا، وهو إن قصد منافيه الخاصة، فإنه أيضا أشار إلى المنفى الذاتي الذي يعيشه المرء مع نفسه، مهما ابتعد عمّا يزعجه، ويخيفه ويحدُّ من نشاطاته، يلاحقه ذلك الشعور المرّ بالوحدة أينما رحل وحلّ، ثم يزداد شراسة حين تئن روحه شوقا لوطنٍ لفظه مثل جثة، فيصارع التناقض الذي يشطره نصفين، كمريض يعاني الشيزوفرينيا. يحتمي هذا الكاتب المقسوم نصفين بأدبه، يكتب وجع الوطن والمدن التي آوته، يسرد حنينه المصحوب بقرارات اللاعودة، يكتب نصوصا يتشابك فيها الخذلان بالحب، فينكشف انتماؤه الحقيقي في كل كلمة تخطها يده، كما يكتشف كم هو مبعثر في هذا العالم، وهذا أقسى ما يمكن أن يشعر به أي محروم من الاستقرار.
غير ذلك، ألا يُقال إن أوطاننا تلدنا وتأكلنا في آن، فما الحل أمام معضلة أزلية كهذه، بين من يعيش فيها ومن يعيش بعيدا عنها؟
تركنا أوطاننا إلى المنافي البعيدة، بحثا عن الرّزق، والحرية، والأمان، والاحترام والحب، إذ يبدو أن كل هذه الأشياء عصية على التحقيق في بيئاتنا على تنوعها، وهي تقذفنا كما يقذف ولد حجارة لمجرد اللهو، فيما قد يصيب أكثر من شخص بإصابات خطيرة. فهل هذه المنافي سيئة إلى هذا الحد؟
قد يكون الجواب نعم، وهذا استخفاف بما تفعله المنافي باللغات الأم، وقد يكون لا، فتكون التفاصيل على غير العادة صادمة بإيجابياتها. لقد تنوع الهاربون من أوطانهم، ولكنهم في الغالب لم يتخلُّوا عن حمولتهم الثقافية، وحيثما يحطون الرحال تطفو مواهبهم وثقافتهم إلى العيان، وقد اعترفت مدنٌ كثيرا ما احتضنت هؤلاء الهاربين، أو المنفيين، أنها استفادت منهم، بحيث أضافوا لثقافتهم الكثير، وأثروا آدابهم، وشكلوا همزات وصل بين ثقافتين وبلدين. نذكر أيضا أن الاغتراب شعور داخلي ينتاب الشخص لأسباب بعضها مفهوم وآخر غير مفهوم، وقد يكون زمنيا أو مكانيا، على سبيل المثال أولئك الذين كتبوا عن الأندلس، أو القدس أيام صلاح الدين الأيوبي، أو غيرها من بطولات الماضي، التي لا ينتمون إليها، وقد يكون ثقافيا أو لغويا، بتأثير من نصوص أدبية، على سبيل المثال أيضا نذكر جيلا بأكمله تأثر بالأديبة غادة السمان، فاستعار لغتها وعَبّر بها عن نفسه، بل هناك من خاطب بيروت كما خاطبتها السمان، مع أنه لم ير بيروت ولا مرة، والشيء نفسه للمتأثرين باللغة الإنكليزية فيتحدثون ويكتبون بها في عقر أوطانهم العربية.

الاغتراب شعور داخلي ينتاب الشخص لأسباب بعضها مفهوم وآخر غير مفهوم، وقد يكون زمنيا أو مكانيا، على سبيل المثال أولئك الذين كتبوا عن الأندلس، أو القدس أيام صلاح الدين الأيوبي، أو غيرها من بطولات الماضي، التي لا ينتمون إليها.

يحدث الاغتراب أيضا عقائديا، كمن يشعر أن عقيدته خاطئة إلا إذا ارتدى زي بلاد أخرى ترمز لمعتقده الجديد، أو الخروج من المعتقد السائد والتمرّد عليه ورفضه، رغم احتضان تلك البيئة التي يرفضها له منذ ولادته. لا تفسير شاف لمنبت الاغتراب الفكري والنفسي، لكُتاب عاشوا ازدواجية صعبة مع أنفسهم، فقد يكون الشخص فعلا ولد في غير زمانه أو مكانه، وقد يرغم على وضع معين، فيعيش معطوبا مسلوخ الحقوق منشطرا بين بلدان تستقبله، وأخرى تحضنه لكنها لا تعوض الوطن المفقود، محمود درويش نموذج، هو الذي وصف نفسه بـ«لاجئ فلسطيني في فلسطين»، واعتبره العرب شاعر فلسطين الأول، وحامل قضيتها، بينما وجد فيه نقاد الغرب تشابها كبيرا مع الشاعر اليهودي يهودا عميحاي، الذي كتب كثيرا عن القضايا المشتركة بين شعبه والشعب الفلسطيني، ورغم مشاركته في حربين، إلا أنه عجز عن وصفها، فقال «لا أجد ما أقول، لا إضافات عندي سوى أنني أشعر بالعار»، هاربا من ألمانيا إلى القدس، بحثا عن الوطن الموعود، فإذا به يعيش هول الحرب الإسرائيلية على فلسطين، بكميات وافرة من الآلام التي سببّتها للطرفين، فتغيرت نظرته مئة وثمانين درجة نحو «وطنه» الأصل فقال: «الموتى كُثْر، والأرض لا تتسع لدفنهم جميعا».
عميحاي بعد تجربة الإقامة في فلسطين تفاقم شعوره بالاغتراب، حتى انفصل عن اللغة العبرية تماما، وتوقف عن الكتابة بها، متأثرا به سيكتب أنطون شماس مُعرِّفا بنفسه على أنه «رجل مقطوع اللسان». وفي مدخل روايته الأولى سيستعير جملة لعميحاي «كل شيء مكتوب بثلاث لغات، العبرية والعربية والموت».
نفسها المشكلة التي تربط ألسنة شعراء وكتاب بلغة غير لغتهم الأم، مثل كثير من كتاب وشعراء المغرب العربي، حتى أن بعضهم كتب باللغتين لكسر الحاجز الذي يفصلهم عن قرائهم، أو لتحطيم ذلك الشعور بالنقص أمام الكتاب الفرنكفونيين الذين يحظون باهتمام من الغرب، إضافة إلى تتويجهم بجوائز لا يرى منها المعربون إلا الوزر القليل.
والحقيقة أن الاغتراب اللغوي يجعل الواحد منا يشعر بالعزلة، والضياع، والشتات، وكل أنواع التشظي التي لا تخطر على بال. كما أن جهل لغة الآخر سبب رئيسي لممارسة العنف ضده، فما تحمله اللغات من أسرار لا يمكننا تخيله، ولكن يكفي أن نعرف أن إتقان لغة إضافية يفتح الباب واسعا أمام سبل التعامل الحضاري بين الأفراد، وخلق شبكة تواصل تخفف من ذلك الشعور المقيت بالاغتراب والخوف من الآخر. وإن كنت تحدثت في مقال سابق عن محمولات اللغة، إلاّ أنني لم أتحدث عن تلاقح اللغات وإنجابها لمصطلحات جديدة، وكأنّها كائن حي، ولم أشر إلى أن حيز الحرية للفرد يتسع كلما أتقن لغة إضافية.
كخلاصة سنفهم أن بعض اغترابنا مفروض علينا، وبعضه من صنع أيدينا، وخياراتنا. لكنه في الغالب حالة تلامس الأعماق، وكلما استسلم لها الإنسان استحوذت على كيانه وحرمته من نعمة الاستمتاع بالحياة…
أخيرا يذكر في ما يذكر أن بودلير كانت له قدرة عجيبة لتغيير مكان إقامته أكثر من أربعين مرة هربا من دائنيه، فعاش غريبا حتى على نفسه التي بادلها الكراهية والتحقير، أمّا أشعاره فهي أفضل مثال عن كل أنواع الاغتراب السالفة الذكر.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

الاغتراب الثقافيبروين حبيبمريد البرغوثي

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*