استيزار “إغراقي” تمريراً لحكومة “بمن حضر”؟

 

 

أذا كانت هجمة الاستيزار الكثيفة تجد من يبررها، خصوصاً أن الحكومة العتيدة ستكون حصيلة التمثيل النيابي الجديد عقب الانتخابات النيابية الأخيرة، فإن ما يصعب تبريره هو بروز اتجاهات مبكرة تستبق شروع الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري نفسه في مهمته لترسم مسارات مثيرة للهواجس حيال بعض نيات جهات سياسية تبدو كأنها تريد افتعال تصفية حسابات سياسية من خلال التشكيلة الحكومية العتيدة. تعبر عن هذه الاتجاهات وقائع كثيرة تعاقبت في الأيام الأخيرة، لكن أشدّها إثارة للهواجس برز أمس بعد يوم الاستشارات النيابية التي أجراها الرئيس الحريري في مجلس النواب وجاءت بطريقة التسريبات المسيرة من بعد أي من خارج حلقة رئيس الوزراء المكلّف لتوحي بأن التأليف سيكون سريعاً… وبمن حضر. وهو أمر يعني بوضوح تأكيد المخاوف التي سادت في الأيام الأخيرة من دفع بعض الجهات النافذة المعروفة نحو احداث تفصيلات الأمر الواقع في توزيع الحصص والحقائب وتحديد الأحجام سلفاً ووضع الآخرين في مواجهتها على قاعدة القبول بالواقع الجديد أو الخروج من قطار السلطة الى المعارضة.

وتنامت هذه الهواجس مع مواقف أعلنت أمس من التوزيعات الوزارية بحيث بدا واضحاً أن هجمة الاستيزار قد لا تكون في مجملها “بريئة ” وعفوية ونتيجة مطالبة مشروعة بالتمثيل الحكومي عقب الانتخابات، بل ربما كان بعض خلفياتها مرتبطاً بإثارة واقع مربك أمام رئيس الوزراء المكلف للضغط عليه ضمناً وحمله على مجاراة اتجاهات لا يجاريها أساساً ومن أهمها إقصاء أفرقاء أو تحجيمهم ناهيك بأهداف أخرى غير مرئية بعد. والواقع أن هجمة الاستيزار اتخذت طابعاً إغراقياً تندّر معه كثيرون بأن الحكومة العتيدة يجب أن تكون أكبر من “ميني برلمان” أي بما يتجاوز الخمسين وزيراً لإيفاء طلبات الكتل النيابية والنواب المستقلين التي أودعت رئيس الوزراء المكلف أمس.

ويبدو واضحاً أن القرار مُتَّخِذ “بأن تكون ولادة الحكومة سريعة ولكن من دون تسرّع، وان بحكم الأكثرية والمعارضة الأقلية انطلاقاً من مبدأ أن النظام الديموقراطي يستقيم بذلك أكثر”، استناداً الى المطلعين على التسوية الرئاسية.

والواضح أن المعنيين بعملية التأليف مدركون أهمية هذه الحكومة لعمرها الطويل المرتقب ولذلك يجري كل فريق حساباته على هذا الأساس وللمدى البعيد.

ولعلّ استشعار “القوات اللبنانية” بهذا التحوّل وسط محاولات مكشوفة لدفعها الى المعارضة حمل رئيسها سمير جعجع على القيام بزيارته المفاجئة على رأس كتلته النيابية لقصر بعبدا ولقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من أجل تثبيت المصالحة المسيحية وحفظ حقّه في الثنائية المسيحية، فلا تأتي التسوية الجارية على حسابه و”القوات” مرة جديدة كما في الماضي. كما علم ان “التيار الوطني الحر” يطرح تساؤلات جدية عن تفاهم معراب ربطاً بالاستحقاقات الاستراتيجية بما يثير تساؤلات جدية للغاية عن مصير هذا التفاهم.

وفي المعلومات المتوافرة، أن رئيس الجمهورية طمأن جعجع الى أنه حريص على صون المصالحة المسيحية وانه يعتبرها من الإنجازات الكبرى التي تحققت. إلا أنه استغرب العزف على وتر الاستبعاد والعزل، كما استغرب الحملة على “التيار الوطني الحر”، فيما لم يقل أحد بإقصاء أو استبعاد أو غيرهما من العناوين التي لا تشبه عهد الرئيس عون. وهو يبدي حرصاً على قيام حكومة وحدة وطنية يتمثّل فيها الجميع، اذا التزم الجميع مطالب واقعية تعكس صورة الانتخابات بعيداً من المبالغة.

ولمن يعترض على حصة وزارية مستقلة لرئيس الجمهورية عن حصة تياره، أفادت المصادر المطلعة على موقفه، أنه يرفض عبارة “حصة”، عوض تمثيل وزاري مطلوب من خلال وزراء، يساعده في الاضطلاع بمهماته، ويمكّنه من الحفاظ على المصلحة العليا للدولة، وأن تكون له القدرة على متابعة عمل الحكومة، وأن يسهر على تنفيذ ما هو مطلوب منه. أما “تكتل لبنان القوي”، وفي رأي المطلعين على موقف بعبدا، فهو أكبر تكتل ومؤلّف من نواب يمثلون انتماءات متعددة وأحزاباً وطوائف ومذاهب مختلفة، ومن حقهم أن يتمثلوا في الحكومة وفق حجمهم، ووفق توزيع الكتل المنضوية في هذا التكتل.

وعن الكلام المتداول عن أن رئيس الجمهورية يريد نيابة رئاسة الوزراء لصديقه عصام فارس، أشارت المصادر الى أن الرئيس عون، وإن كان يريد ذلك ويتمناه ، الا أن أي إسم لم يطرح بعد بشكل واضح لهذا المنصب في انتظار لقائه رئيس الوزراء المكلف.

الحريري  

وكان الرئيس الحريري لخّص نتائج استشاراته النيابية في تصريح جاء فيه أن “هناك تعاوناً كبيراً بين الجميع لتسهيل تشكيل الحكومة، كما كان الجميع متوافقين على أنه علينا التسريع في تشكيل الحكومة بسبب التحديات الإقليمية والاقتصادية التي نواجهها في البلد. ولا شك أن هدف الجميع هو العمل لتحسين الاقتصاد الوطني وتقوية مؤسسات الدولة”. وقال: “بعدما سمعت كل ما سمعته، سأرى ما هي أفضل وسيلة للنهوض بالبلد من حيث شكل الحكومة ومكوناتها. ونحن نريدها أن تكون حكومة وفاق وطني وأن نجمع أنفسنا لتحصين ساحتنا الداخلية أمام التحديات الإقليمية والتفاهمات بشأن الوضع الاقتصادي الذي نواجهه”. وأضاف: “الآن مرحلة المشاورات، وكل طرف يطرح الطريقة التي يرى بها الأمور وكيف يحبذ أن يتمثل في الحكومة. لا شك أن البعض ينصح بحكومة وفاق، أو بتصغير الحكومة أو تكبيرها، أو بحكومة من 30 وزيرا أو 32، حتى أن البعض طرح حكومة من 10 أو 16 وزيراً، لكن هذا لا يعني أن هذا ما سيحصل. هناك كتل سياسية متنوعة، ويجب أن نصل إلى تفاهم كما وصلنا في الحكومة السابقة”.

ويتوقع أن يغادر الحريري بيروت اليوم الى السعودية في زيارة عائلية ليومين.

ماكرون  

وسط هذه الأجواء، استوقف المراقبين تكرار اعلان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي يستقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي اليوم في قصر الايليزيه أن فرنسا جنّبت لبنان اشتعال حرب فيه. وأفادت وكالة “رويترز” أن الرئيس الفرنسي نسب الفضل الى نفسه في حل أزمة سياسية في لبنان العام الماضي معلناً للمرة الأولى أن السعودية احتجزت رئيس الوزراء سعد الحريري أسابيع.

وقال ماكرون في مقابلة مع تلفزيون “بي. إف. إم”: “لو لم يؤخذ (برأي) فرنسا حينئذ لكان لبنان يخوض على الأرجح حرباً ونحن نتحدث الآن. (الفضل) للديبلوماسية الفرنسية وللإجراء الذي اتخذناه”.

وأكد أن توقفه في الرياض، دون ترتيب مسبق أثناء رحلة جوية، لإقناع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بذلك وما أعقبه من توجيهه دعوة إلى الحريري لزيارة فرنسا، كان السبب في إنهاء الأزمة.

وقال: “أذكرك باحتجاز رئيس وزراء في السعودية أسابيع عدة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*