استمرار همروجة الفساد… وفشل محاربته

التعليقات في الصحف وعلى التلفزيونات تكرر جهود محاربة الفساد والامثلة تطاول اساتذة جامعيين يساهمون في اصدار شهادات جامعية مزورة، وموظفين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يتعاونون مع أطباء يصدرون فواتير إما لزيارات طبية وإما لادوية لا يدفع ثمنها وإن أصدرت فواتير مختومة بان ثمنها قد دفع، وموظفين في العدلية يؤجلون جلسات بالتفاهم مع قضاة لخدمة متهمين الخ.

كل يوم تقريباً نشهد ونسمع عن تحركات قوى الامن لضبط مخالفات متنوعة، لكن جوهر الفساد الذي رفع المديونية العامة ولا يزال لا ينازع حول استمراره اي فريق، والوزراء والنواب الذين تعاقبوا على تحمل أكبر مسؤوليات عن الهدر وزيادة اعباء الدين العام بنسبة 50 في المئة مدى عشر سنين، ليس هنالك من يطالب بتنحية المسؤولين منهم عن هذا الهدر وعن فشل ضبط عجز الموازنة، ورئيس لجنة المال والموازنة الذي أعلن قبل اعداد ارقام موازنة 2018 ان العجز سينخفض500 مليون دولار أورثنا عجزًا اضافيًا بمليار دولار وليس هناك من يحاسبه بل هو عن قصد يكلف القيام بهذا الدور. وهو كان أصدر كتابًا عام 2013 عنوانه “الابراء المستحيل” ويبدو أن فخامة الرئيس استحسن هذا الكتاب وظهر على التلفزيون وهو يلوح به، والواقع ان ادعاء الكاتب فقدان 11 مليار دولار خلال الفترة 2006-2013 لم يأخذ في الاعتبار ان فريقه منذ تسلمه وزارة الطاقة بدّد ما بين 2008 و2013، أكثر من 14 مليار دولار. وفي حينه كتبت منبهًا النائب المعني بانه اهمل حساب عجز الكهرباء، فتكرم وردّ بانه لم يعالج ذلك الموضوع، أي انه نسي أهم أسباب الاستدانة والعجز. ومع ذلك كتب عن تبخر 11 مليار دولار، ربما هي بعض عجز الكهرباء، وتالياً من الواضح لماذا لم يذكر اسباب العجز التي دفعت الى الاقتراض لسد حاجات الكهرباء. ومعلوم ان الاقتراض لدعم الكهرباء، وطاقة الدولة على الانتاج لا توازي نصف الحاجة، تسبب حتى تاريخه في زيادة الدين العام، مع الفائدة المستحقة على الاقتراض الكهربائي توازي 50 في المئة من هذا الدين.

نعود الى موضوع الغش في الوصفات الطبية ورسوم الاستشارات للمرضى الوهميين حقًا لان مرضهم يتمثل في استسهال اقتناص المنافع ولو بالغش وبمعاونة اطباء يسرقون بعض المال عن سبيل التعاون في انجاز هذه القرصنة.

واليكم قصة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

تأسس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عام 1964، وبدأ تطبيق قسم المرض والامومة بعد بضع سنوات. عام 1992، وبسبب تقصير الدولة عن تغطية 25 في المئة من الفاتورة الصحية، عيّن مجلس الوزراء أربعة خبراء لوضع تقرير عن اصلاح وسائل عمل الصندوق.

الخبراء الاربعة كانوا عادل عليق مهندس وخبير في ادارة المستشفيات، انطوان واكيم اختصاصي في تقييم حسابات التأمين، مروان اسكندر خبير اقتصادي انجز اطروحته لشهادة الماجستير في الاقتصاد بتقييم مشروع الضمان الاجتماعي، واكرم نجار خبير في برامج المعلوماتية.

الخبراء الاربعة قدموا تقريرًا عن مستوجبات تعديل قانون انشاء الصندوق وتسيير شؤونه ومن أهم التوصيات التي اشاروا بضرورتها، تعديل القانون. فعلى سبيل المثال، يتألف مجلس الادارة من ممثلي العمال بنسبة الثلث، وممثلي ارباب العمل بنسبة الثلث، وممثلي الدولة بنسبة الثلث. وطالب رئيس الوزراء بتسمية رئيس لمجلس الادارة يملك خبرة في شؤون الضمان.

رشحت شخصياً لرئيس الوزراء الدكتور طوبيا زخيا، وهو طبيب متخصص بأمراض القلب، وكان لسنوات رئيس فرع للضمان الاجتماعي في منطقة باريس ومحيطها يبلغ عدد المضمونين فيها 12 مليون نسمة، وكان ولا يزال يتمتع باخلاق رفيعة ومعارف واسعة في شؤون الضمان.

خلال الجلسة الثانية لمجلس الادارة طالبت بتطبيق نظام الكتروني متطور لمتابعة تفاصيل الطلب على الخدمات الطبية وتوفير الادوية. ففرع الضمان الصحي يشمل المضمونين العاملين وأفراد عائلاتهم وهو الفرع الذي يشمل أكبر عدد من المضمونين أي 1.3 مليون لبناني ولبنانية. ألححت على تطبيق البرنامج الاحصائي الالكتروني وتعيين اختصاصيين في تشغيل برنامج كهذا، وتابعت مع ممثلي البنك الدولي الموضوع واستعدادهم للمساعدة.

عام 2006 وبعد تكرار طلبي من المجلس واجراء محادثات مع ممثلي البنك الدولي، التزم هؤلاء بعد مراجعة المركز الرئيسي للبنك الدولي، توفير منحة على مستوى مليوني دولار، لتأمين شراء الادوات الالكترونية التي تتمتع بطاقات تحليلية تؤمن حاجات المضمونين في فرع المرض والامومة.

تصدى للعرض بقوة عدد من ممثلي العمال بحجة ان جماعة البنك الدولي يسعون الى معرفة خصائص اليد العاملة اللبنانية وهذا أمر لا يجوز، ويقرب من التجسس، وحيث ان قانون انشاء الضمان الاجتماعي يفرض اسقاط البحث في أي قرار اذا اعترض عليه عضوان من أي من الفئات الثلاث، اسقطت المنحة وبرنامج التدريب على استعمال المعدات الالكترونية.

الاعتراض بالطبع كان من ممثلي العمال وكانوا يتوقعون انفتاح فرص الاستفادة غير الشرعية ومنذ سنوات يجري تسييب أموال الضمان الصحي دون عقاب، وما نشهده اليوم نسبة بسيطة مما يجري.

النتيجة اني شخصيًا استقلت من عضوية مجلس ادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عام 2007، واستنزاف المنافع، على حساب موارد الصندوق، لا يزال ساريًا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*