استقالةٌ ليست كغيرها… ما كلفتها على رئاسة ترامب؟

جورج عيسى
النهار
21122018

وزير الدفاع المستقيل جايمس ماتيس. الصورة التقطتها “أ ب” في 6 كانون الأول 2016

بعد يوم واحد على إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب سحب قوّاته من#سوريا، تقدّم وزير الدفاع جايمس #ماتيس باستقالته، عازياً إيّاها إلى الإفساح في المجال أمام مجيء وزير دفاع أكثر تجانساً مع رؤية الرئيس. لم يكن قرار ترامب الأخير السبب الوحيد الذي دفع ماتيس إلى الرحيل عن منصبه. فهنالك الكثير من الملفّات الدوليّة التي اختلف عليها الطرفان، لذلك، كان ماتيس سيأخذ قراره هذا عاجلاً أم آجلاً، وكلّ ما فعله الانسحاب الأميركيّ من سوريا هو أنّه عجّل ربّما في اتّخاذ القرار. اللافت في رسالةالاستقالة أنّها لم تذكر كلمة إشادة بصفات الرئيس الأميركيّ الذي مدح ماتيس في تغريدة على “تويتر”.

لم يتغيّر شيء في ترامب

إنّ مديح ترامب، كما قراره بشأن الانسحاب من سوريا، جذب الكثير من الانتقادات، لأنّه استخدم في تغريدته كلمة “تقاعد” بدلاً من “استقالة” التي ذكّره مغرّدون بأنّها جاءت تحديداً اعتراضاً على سياساته. يضاف إلى ذلك، أنّ كلمات الثناء التي وجّهها ترامب إلى ماتيس ركّزت على دوره في جعل حلفاء واشنطن يدفعون ما يتوجّب عليهم من الإنفاق العسكريّ كما كتب. مرّة أخرى، أظهر ترامب أنّه لا يزال عاجزاً عن إدراك أنّ القرارات الاستراتيجيّة غير مرتبطة دوماً بمردودها المادّي أو حتى برضا قاعدته الشعبيّة عنها. والأهمّ من ذلك، هو أنّ ماتيس نفسه لم يذكر في رسالته أيّ إشارة إلى المسألة الماليّة، بل شدّد على أنّ قوّة الولايات المتّحدة مرتبطة بشكل لا يمكن فصله عن قوّة النظام الشامل للتحالفات والشراكات. وبعدما ذكر الخطر الذي تفرضه روسيا والصين على مصالح واشنطن وحلفائها، لفت النظر إلى أهمّيّة “تعزيز النظام الدوليّ” وهو مصطلح قلّما استخدمه ترامب. بالتالي، وبدلاً من أن تشكّل استقالة ماتيس السريعة جرس إنذار للرئيس الأميركيّ كي لتغيير نهجه في اتّخاذ القرارات، فإنّها جاءت لتؤكّد مواصلة ترامب تكوين رؤية للعالم خاصّة به ومنفصلة عن رؤية غالبيّة مستشاريه وخبراء السياسة الخارجيّة.

تباينات كثيرة

سيستمرّ ماتيس في منصبه حتى شباط المقبل كي يتمكّن الرئيس الأميركيّ من اختيار خلفه، وهو أمر قال عنه ترامب إنّه سيحصل “قريباً”. في الوقت عينه، لا يعني رحيل ماتيس أنّ الأخير كان أكثر تشدّداً من رئيسه في جميع المسائل. فماتيس كان المبادر إلى إقناع ترامب بتوجيه ضربة محدودة إلى سوريا بعد الهجوم الكيميائيّ على دوما في نيسان الماضي. وبحسبكتاب “الخوف” للصحافي بوب وودورد، تجاهل ماتيس طلب الرئيس الأميركيّ بقتل الرئيس السوريّ بشّار #الأسد بعد الهجوم الكيميائيّ على خان شيخون. نفى الرجلان حصول هذه الحادثة، لكنّ الخلافات كانت أوسع من الملفّ السوريّ. فماتيس عارض الانسحاب الأميركيّ من الاتّفاق النوويّ بالرغم من أنّه كان في حياته العسكريّة كثير التشدّد تجاه #إيران. وبعد تليين موقفه إزاءها، وصفه ترامب ب “الكلب المعتدل” بسبب موقفه من إيران، هو الذي تكنّى سابقاً ب “الكلب المسعور”.

وربّما الأهمّ من كلّ ذلك هو معارضة ماتيس لقرار نقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى #القدس. وإن كان وزير الدفاع بنى موقفه السنة الماضية على أسس أمنيّة، فهو أعلن سابقاً تأييده لحلّ الدولتين ومعارضته للمستوطنات الإسرائيليّة. حتى عندما سئل في مجلس الشيوخ قبل المصادقة على تعيينه عن “عاصمة إسرائيل”، أجاب بأنّها تل أبيب لأنّ مقرّاتها الحكوميّة هناك كما أوضح. وحين تمّ الإصرار على هذا السؤال، اكتفى بتأكيد أنّه يلتزم “الآن بسياسة الولايات المتّحدة”. لكنّ تباين وجهات النظر وأسلوب التفكير بين الرجلين لم يؤثّر في قدرة ماتيس على تشكيل رافعة سياسيّة لترامب بحسب بعض المراقبين.

خسارة درعه

يتوقّع الكاتب إيلاي لايك في شبكة “بلومبيرغ” الأميركيّة ازدياد غضب الجمهوريّين في مجلس الشيوخ خلال المرحلة المقبلة خصوصاً إذا شنّت تركيا هجوماً على الأكراد. بالنسبة إليه، كان بإمكان ماتيس أن يمدّ جسر تواصل بين الكونغرس وترامب حول بعض القضايا الخارجيّة، لكن ليس بعد اليوم. ماتيس كان “درعاً قويّة” لترامب لأنّه “جسّد قيمة عسكريّة وروح الخدمة المدنيّة” ولهذا أمكن لجمهوريّين متردّدين إزاء دعم الرئيس القول: “إن كان ماتيس يدعم ترامب، فإذاً أنا كذلك”.

لقد تمكّن ماتيس من استلام منصبه رسميّاً بعد حصوله على موافقة 98 عضواً في مجلس الشيوخ من أصل مئة بما يعطي فكرة عن شعبيّته داخل مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريّون. وبعض هؤلاء دافع عن ترامب إزاء عدد من الفضائح التي أحاطت به. لكن بعد هذه الاستقالة، قد تتعاظم شكوك الجمهوريّين تجاهه.

حجم الكلفة

ربّما سيكون ترامب معرّضاً لقيود أقلّ بعد استقالة ماتيس، لكنّ ذلك لا يعني أنّ حرّيّة التصرّف هذه ستعود عليه حتماً بالمنفعة. فمن جهة، قد يتحجّم عدد المرشّحين لخلافته، خصوصاً بعد معرفة أنّ من بين الأسماء التي طُرحت، السيناتورين الجمهوريّين ليندسي غراهام وتوم كوتون اللذين انتقدا ترامب بسبب قراره بالانسحاب من سوريا. كذلك، سيكون مجلس الشيوخ أكثر تشدّداً في المرّة المقبلة حين سيقرّر الموافقة على هويّة مرشّح الرئيس لوزارة الدفاع. ومن جهة ثانية، إذا كان ماتيس فعلاً حجر الزاوية في العلاقة المعقّدة بين البيت الأبيض والكابيتول هيل فإنّ سقوط هذا الحجر يمكن أن يكون مكلفاً للرئاسة. أمّا حجم هذه الكلفة؟

“دونالد ترامب قد لا يعرف ذلك ربّما، لكنّ رئاسته تنهار”. يمكن أن يكون لايك قد مزج في توقّعه الجرأة بالمبالغة. الوقت وحده سيحكم. ما هو واضح أنّ خروج ماتيس ليس كخروج من سبقوه. لا يكفي أنّه الوحيد الذي تحدّث عن أسباب استقالته من دون لبس، بل الوحيد الذي وجّه رسالة فيها من الحثّ ل “مؤسّسة السياسة الخارجيّة” على التحرّك أكثر ممّا فيها من التبرير لشرح استقالته.

     

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *