الرئيسية / home slide / استراتيجية بنيامين نتنياهو وكيفية التصدي لها

استراتيجية بنيامين نتنياهو وكيفية التصدي لها

 جلبير الأشقر
القدس العربي
19052021

لقد ضمن بنيامين نتنياهو فرادة موقعه في التاريخ، ليس بصفته رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تربّع على كرسيه أطول مدة (زادت مدته عن خمسة عشر عاماً، بما تعدّى مؤسّس الدولة الصهيونية، دافيد بن غوريون، الذي كان صاحب الرقم القياسي من قبل، ولم يُكمل سنته الرابعة عشرة في الحكم) بل أيضاً وبصورة خاصة بمغالاته، أي نتنياهو، في الصهيونية التي فاق بها جميع أسلافه، بمن فيهم أرباب الليكود، حزبه والجناح الفاشي في الحركة الصهيونية، الذين تناوبوا على رئاسة الوزراء منذ أن بلغت دولة إسرائيل سنتها الثلاثين: مناحيم بيغن وإسحاق شامير وآرييل شارون. والجدير بالذكر أن الثلاثة شاركوا في الاستيلاء الصهيوني الأصلي على فلسطين وصولاً إلى النكبة، بينما وُلد نتنياهو في عام 1949 بعد النكبة.
والحال أن نتنياهو أفصح تعبير عمّا آلت إليه الدولة الصهيونية بحكم المنطق الحتمي الملازم لقيامها على الاستعمار الاستيطاني، هذا المنطق العنصري الذي اشتدّ فجاجة مع الانتقال من جيل القادمين من أوروبا هروباً من الاضطهاد إلى الجمع الحالي بين مواليد الدولة الصهيونية الذين تربّوا فيها وبين المهاجرين إليها ليس هروباً من الاضطهاد، بل رغبة في العيش كطغاة، وهم يشكّلون لهذا السبب أكثر المستوطنين حماساً في الضفة الغربية. كما أن نتنياهو أفصح تعبير عن فاشية عصر العولمة النيوليبرالية، أو ما يُسمّى النيوفاشية (الفاشية الجديدة). فهو ليس فاشياً عقائدياً مثل بيغن وشامير، أو بينيتو موسوليني، الذي كان مثالاً لمؤسس نهج الليكود فلاديمير جابوتنسكي، بل فاشياً انتهازياً محضاً تحرّكه مشاعر أقصى اليمين العنصرية، لكنّه يلهث وراء السلطة والكسب والارتزاق بالدرجة الأولى، على غرار دونالد ترامب، رديف نتنياهو الأمريكي.
ومثلما فعل ترامب خلال سنواته الأربع في الرئاسة، وهو تلميذ نتنياهو في الحكم كما ذكر بعض المعلّقين، فقد تعمّد هذا الأخير، خلال سنواته العديدة في رئاسة الوزراء، تشجيع أحطّ الغرائز العنصرية الكارهة للعرب لدى جمهوره الانتخابي، محفّزاً تفاقم المناخ العنصري في أراضي 1948 وممارساً سياسة تسلّطية باطشة فظّة في أراضي 1967، بينما كانت فضائح الفساد والرشوة المتعلقة به تتراكم، وهو يتمنّى مثل ترامب لو أمكن تنصيبه ملكاً على إسرائيل، كما يهتف له أنصاره، كي يتخلّص من مشقّة كسب الانتخابات.
وقد استكملت الدولة الصهيونية في ظلّ حكم نتنياهو طفرتها من دولة قائمة على النفاق، تدّعي اعتمادها المواطنة التعدّدية متذرّعة بالأقلية الفلسطينية التي أبقتها رهينة ضمن حدود 1948، إلى دولة قائمة على التمييز العرقي الصريح من خلال تبنّيها، عند بلوغها السبعين في عام 2018، «قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل». ويعلن نتنياهو جهاراً عزمه على استكمال ذلك من خلال الضمّ الرسمي لقسم من أراضي 1967 في الضفة الغربية والتدجين الكامل للفلسطينيين في الأراضي المتبقّية في الضفة وغزّة بما يشبه بانتوستانات جنوب أفريقيا بحيث يُنجَز التماثل بين دولة إسرائيل ودولة الأبارتهايد السابقة.
بيد أن نتنياهو اصطدم بألاعيب النظام البرلماني الإسرائيلي وقد وصلت إلى طريق مسدود بعد أن فقد قسماً من ناخبيه بسبب فضائح الفساد وبات يصعب عليه تشكيل ائتلاف حكومي، بينما استحال الأمر على أخصامه بما أدّى إلى إعادة الكرة الانتخابية ثلاث مرّات منذ أولى جولتي عام 2019. فما بقي أمامه سوى توتير الأجواء العنصرية بحيث يعيد كسب الناخبين الذي يحتاج إليهم كي يضمن بقاءه في رئاسة الوزراء، لاسيما وأن خصمه يائير لبيد كان يسعى إلى تشكيل ائتلاف حكومي مع نفتالي بينيت، منافس نتنياهو في الفاشية الصهيونية، مدعومَين من منصور عبّاس الذي بات رديفاً في أراضي 1948 لسَميّيه في أراضي 1967 في تيسير عملية تدجين الفلسطينيين.

إضراب يوم الثلاثاء الذي دعت إليه «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل» والذي أيّدته حركة فتح في أراضي 1967 في الضفة الغربية، إنما هو الطريق الصحيح إلى انتفاضة شعبية جديدة

فاستند نتنياهو إلى ما راكمه في الحكم من أدوات: المستوطنين اليهود الفاشيين في القدس والضفة، ورجال الشرطة الذين حفّز منحاهم العنصري تماماً مثلما فعل ترامب في الولايات المتحدة. فضلاً عن هاتين الأداتين المباشرتين، حرص نتنياهو على خلق جو مشحون في أوساط فلسطينيي 1948 من خلال التعمّد في تسييب الأمن رغبة منه في تشجيع مظاهر العنف، كما حرص على خنق غزّة بحيث يبقيها بركاناً يستطيع إشعاله كلّما احتاج إلى تأجيج التعصّب القومي العرقي في المجتمع الصهيوني، على غرار سلفه شارون الذي بذل كل ما بوسعه من أجل تهميش «السلطة الوطنية» وتحفيز صعود حركة حماس، عدوّته المفضّلة لكونها منبوذة من قِبَل الدول الغربية وتقوم على أيديولوجيا دينية تسهّل دفع المجتمع الصهيوني في اتجاه التعصّب الديني العرقي الذي يلائم الليكود.
وقد استخدم نتنياهو كافة هذه الأدوات والوسائط في الأسابيع القليلة الأخيرة: فتعمّد توتير الأجواء في القدس، ليس فقط في قضية الشيخ جرّاح من خلال مستوطنين يهود متوتّرين، بل خاصة من خلال دفع قوى الأمن الصهيوني إلى الاستفزاز السافر في الحرم الشريف، مثلما فعل آرييل شارون عندما أصرّ على زيارة الحرم مصحوباً بألف شرطي في خريف عام 2000 بحيث أشعل «انتفاضة الأقصى» التي أجازت له الفوز بانتخابات شتاء 2001. ومثلما وقع المسلّحون في الضفة في فخ استخدام أسلحتهم قبل عشرين عاماً، بما خدم استراتيجية شارون في الوصول إلى الحكم ومن ثم الانقضاض الهمجي على أراضي 1967 بحيث أحالها إلى وضعها المزري الحالي الذي ما انفك ينحطّ منذ ذلك الحين، لاسيما بعد رحيل ياسر عرفات وحلول محمود عبّاس مكانه، وقع المسلحون في غزة في فخ استخدام صواريخهم وكأنهم يظنّون حقاً أن إسرائيل المتفوقة عليهم بالسلاح بما لا يُقاس سوف ترضخ لتهديدهم وتتراجع عن مخططاتها التوسّعية. والعكس هو الأكيد، بالطبع، إذ انتهز الصهاينة الفرصة من أجل تصعيد القتل والتدمير بصورة هائلة. يتمادى نتنياهو في قصف غزّة الوحشي، فارضاً على حماس والجهاد تفريغ ترسانتيهما من الصواريخ، ومراقباً بواسطة معدّاته الإلكترونية وجواسيسه المواقع الحسّاسة داخل القطاع، كي يهدمها بحجة أنها مواقع عسكرية، ومراقباً كذلك القياديين كي يقتلهم أو يدمّر منازلهم، غير مبالٍ لكون كثافة القطاع السكانية هي بحيث أن قصفه بغزارة هو بمثابة قتل متعمّد للمدنيين والأطفال. وقد تصاعدت أسهم نتنياهو داخل المجتمع الصهيوني بالتوازي مع صعود صواريخه، سواء أكانت صواريخ «القبّة الحديدية» المضادة للصواريخ أو صواريخ التدمير والإبادة. وبات يتطلّع إلى إجراء جولة انتخابات خامسة وهو على ثقة من أنها سوف تعزّز مكانته بحيث تضمن بقاءه في الحكم.
أما في وجه ذلك، فإن أمضى سلاح لدى الشعب الفلسطيني في عموم فلسطين بين البحر والنهر وعلى ضفة النهر الأخرى داخل المملكة الهاشمية بالذات، إنما هو سلاح النضال الشعبي، بدون استخدام الأسلحة التي هي مصدر تفوّق الدولة الصهيونية الرئيسي. فإن إضراب يوم الثلاثاء الذي دعت إليه «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل» وهي القيادة الشعبية لفلسطينيي أراضي 1948، والذي أيّدته حركة فتح في أراضي 1967 في الضفة الغربية، إنما هو الطريق الصحيح إلى انتفاضة شعبية جديدة لا بدّ من أن تمتدّ أيضاً إلى الأردن كي يبلغ مفعولها ذروته في الضغط على النظام العالمي الذي يخشى الانتفاضات أكثر بكثير مما يخشى الحروب. وهو السبيل الناجع إلى حفز حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني التي تصاعدت بالتوازي مع انحدار الدولة الصهيونية الفاشي، وصولاً إلى صفوف الحزب الديمقراطي داخل الكونغرس الأمريكي بالذات، وصفوف اليهود الأمريكيين، لاسيما الشباب منهم. ها هي ذي التطورات المشجّعة في الجولة الراهنة من المعركة التاريخية ضد الصهيونية والتي لا بدّ من العمل على توطيدها وتطويرها.

كاتب وأكاديمي من لبنان