استخدم العرب في جاهليتهم أسماء مشتقة من محيطهم وثقافتهم:التأريخ بالشهور غير العربية

عبد الواحد لؤلؤة
القدس العربي
18082019

بين حين وآخر، يتبادر إلى ذهن بعضنا سؤال قد لا يبدو غريباً عند العودة إليه: لماذا يؤرخ العرب، أو أغلبهم، بالشهور غير العربية، الأوروبية في أصولها التاريخية واللغوية؟ وهل يؤرخ الأوروبيون بالشهور العربية، أو الهندية، أو الصينية مثلاً؟

كان العرب في جاهليتهم يؤرخون بأسماء الشهور المشتقة من محيطهم وثقافتهم: شهر محرم يحرم فيه القتال، شهر رمضان من حرارة الرمضاء الصحراوية، وهكذا. ويعطون السنين أسماء: عام الفيل، عام المسغَبة… وما أبعد هذا من تسمية الأسماء في الصين: عام الفأر، عام الأرنب. كما كان العرب يعطون أيام الأسبوع أسماء ما تزال قيد الاستعمال، بعضها مذكور في القرآن الكريم، مثل الجمعة والسبت، مما يدل على أصالة التسمية. وفي تاريخ اليمن، أقدم عرب الجزيرة، ثمة أسماء للأيام قد نجدها طريفة اليوم، ولكن هذا ما كان لديهم، وهو متصل بثقافة اليمن في أقدم عصور التاريخ، إذ كانوا يتحدثون عن العرب العاربة والمستعربة والبائدة. وكل هذا من تربة اليمن ولغة أهلها، ليس فيها من لغة الأحباش ولا الهنود ولا غيرهم من الأقوام التي كانت لهم علاقة بها. كانت أسماء الأيام عندهم، كما نقرأ في ذلك الكتاب العجيب “كتاب التيجان في ملوك حِميَر” من المخطوطة الوحيدة التي وجدت في حيدر آباد بالهند عام 1928، مخطوطة عمرها 500 سنة. كان أهل اليمن يسمون الأحد- يوم أوّل، الإثنين- أهوَن، الثلاثاء- جبار، الأربعاء- دبّار، الخميس- مؤنس، الجمعة- عروبة، السبت- شيّار.

هذه أسماء جميلة، لأنها أصيلة. ولكننا تعودنا، في الأقل منذ العهد الإسلامي على التسميات الدارجة، يدعمها ما نجد في كتب التراث. ثمة إشارة تعود إلى العصر العباسي، يوم كان الشعر يجري على كل لسان، حتى الخلفاء والقضاة. في رواية أن امرأة جاءت إلى القاضي تشكو معاملة زوجها، وعبّرت عن شكواها شعراً.

فأجابها القاضي بشعر على نفس الوزن والقافية، ارتجالاً:

فالمجلس السبتُ، إن يُقضى الجلوس لنا/ننصِفكِ منه، وإلا المجلس الأحد.

أما الشهور، فكانت بأسمائها العربية الإسلامية. حتى في العهد العثماني الذي دام خمسة قرون بقيت أسماء الأشهر العربية الإسلامية في الوثائق الرسمية، ولو أن لغة الوثائق العثمانية كانت عربية محرّفة، لا تخفي جذرها العربي. ولديّ وثائق عائلية من العهد العثماني دليلاً على ما أقول.

ولكن، بنهاية العهد العثماني، وبداية تشكيل الدول العربية، بدأ الاستعمار الأوروبي يفرض لغته وثقافته على هذا البلد العربي أو ذاك. ففي العراق فرضت أسماء الشهور بالإنكليزية ذات الجذر اللاتيني في غالبها. بعضها تحرف قليلا مثل الشهر الثالث: مارس، الذي صار ينطق “مارت” والشهر الخامس: مَي الذي صار ينطق “مايس”. لكن بقي استعمال أسماء الأشهر العربية الإسلامية، يتبعها: “الموافق، كانون الثاني” مثلاً. ومثل ذلك حدث في سوريا، حيث بقي نوع من التحسس حول استعمال أسماء الشهور الأوروبية. في أيام الوحدة بين سوريا ومصر ظهر هذا الشعور بالحساسية في أحاديث “أم كامل” وهو رجل شامي يتقن لهجة نساء الشام، بأسلوب من الفكاهة عجيب. في إحدى مناهج الإذاعة السورية سمعنا “أم كامل” تترنم (يترنم) بتاريخ الوحدة: “هيدا إسمو شهر شباط… يعني فبراير” وهذه وخزة لمستعملي أسماء الشهور الأوروبية بدل العربية ذات الأصل الشرقي. والأسماء: كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان… أيار، هي أسماء عربية، ذات أصول مشرقية، خلافاً لأسماء الشهور الأوروبية ذات الأصول اللاتينية، في الغالب. فلماذا لا نستعملها؟ نقرأ في شعر المعري: تشتاق أيار نفوس الورى/وإنما الشوق إلى ورده. فاذا كان المعري استعمل هذه الأسماء، فأي دليل أبلغ من ذلك على عروبتها؟

 قرأتُ في مجلة “الأندلس” التي كانت تصدر بالعربية، عن جامعة غرناطة الإسبانية، مقالة بالعربية حول أسماء الشهور، بدليل قصيدة لشاعر أندلسي يتحدث فيها عن اختلاف الطقس باختلاف البلاد ويقول فيها:

فإن تموز في صنعا وقُرطبةٍ     بردٌ، وكانون يذكي فيهما الشُعلا.

فاذا كان أهل الأندلس يستعملون هذه الأسماء، فأي دليل يثبت أكثر من هذا أن هذه الأسماء عربية؟ ومن هم أهل الأندلس؟ أليسوا “من طالِعة الشام” و “من طالِعة اليمن” ومن هم أكثر عروبة من هؤلاء؟

لكن “عقدة الخواجا” كانت هي الفاعلة في مصر وبلاد المغرب العربي، حيث شاعت أسماء الشهور الأوروبية دون العربية. وهنا تحورت بعض تلك الأسماء الأوروبية في الكتابات الرسمية والأدبية والصحافة في تونس والمغرب على الخصوص. فصرنا نقرأ عن شهر: يناير، فبراير، إفريل، مايو، يونيه، يوليو، يوليوز، أغسطس، أوت، وهي تحريفات عن صيغة أسماء الشهور بالإيطالية أو الفرنسية. وكأن هذا التحريف لم يكن كافياً، لأنه انتقل إلى دول الخليج العربي، بفعل المدرسين المصريين في الغالب، الذين كانوا يشكلون غالبية العاملين في دول الخليج منذ أربعينات القرن الماضي.

وإذا كان البلد العربي الإسلامي، مثل السعودية، ما يزال حريصاً على التأريخ بالشهور العربية الإسلامية، وإن ظهرت في أوقات لاحقة إشارات إلى ما يقابل الشهور العربية الإسلامية من الشهور الأوروبية، بصيغها المحرفة، فثمة تعلق شديد بما ينسب إلى التراث حول تحديد بدايات تلك الشهور ونهاياتها. فمثلا: تحديد بداية شهر رمضان ونهايته، وتحديد بداية عيد الفطر، وعيد الأضحى، وأيام الحج ما تزال خاضعة لقواعد “غير علمية” إذا خففنا القول. ثمة قول شائع بدعوى أنه من الأحاديث الشريفة: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، أي لرؤية هلال رمضان ليلة يولد، وليلة يغيب. ولكن كم مرة في حياة المرء كانت السماء غائمة في الحالين، ولم يمكن رؤية الهلال؟ هل الحل العلمي أن “نؤجل” ولادة الهلال إلى اليوم التالي؟ عرفتُ صديقاً كان طبيب عيون عمل في السعودية سنوات طويلة، حدّثني بكلام لا يجعله بعيداً عن دائرة الخبثاء من الظرفاء. قال: ليلة مراقبة ولادة هلال رمضان يهرع عدد من “العوران” من مرضاي إلى القصر الأميري للشهادة أنهم “رأوا” ولادة الهلال تلك الليلة. كيف رأوه؟ بعين واحدة؟ أم طمعاً بإكرامية الأمير للبشارة بمولد الهلال؟

لكن بلداً إسلامياً في غالبيته، غير عربي قطعاً، قد تناول المسألة بأسلوب علمي، يعتمد الحقائق الفلكية والرقابة بالتلسكوبات المتطورة. ومن خبرتي في الإقامة والتدريس في الجامعة الإسلامية العالمية في كوالا لمبور، ماليزيا، كانت الدولة تصدر قبيل بداية السنة الميلادية صفحة كاملة من “تقويم السنة الجديدة” تحدد بالدقيقة والساعة واليوم بداية الشهور والأعياد والأيام للمسلمين وللجالية الصينية وهي الثانية في العدد بعد مسلمي ماليزيا. وكنا نرى صحة ذلك عندما تعلن السعودية بعدها عن بداية رمضان والمواعيد الأخرى إذا كانت السماء صحواً، ورأى المراقبون بعينين اثنتين ولادة هلال رمضان وولادة ليلة العيد. وبناء على ذلك أقامت ماليزيا مؤسسة رسمية تنظم أمور الحج بدقة عجيبة، فيودع الراغبون في الحج مبالغ محددة عند تلك المؤسسة لحين يصلهم الدور عند اكتمال العدد المقرر لتلك السنة، والكل سعيد أنه سيحصل على ما يريد، بأسلوب علمي محسوب عادل.

متى تستطيع بلادنا العربية الإسلامية اعتماد العلم والمعرفة في هذه الأمور وغيرها، بدءاً باحترام التراث، علمياً، واتخاذ التسميات التراثية للشهور، كما يفعل الآخرون؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*