الرئيسية / home slide / استئناف لعنة الثمانينات

استئناف لعنة الثمانينات

يوسف بزي|الجمعة18/09/2020
Almodon.com

أجيال تستأنف التراجيديا إياها (Getty)

المخاوف والأزمات والكوارث التي هيمنت على الثمانينات: انهيار العملة، عهد رئاسي فاشل، خطوط تماس بين الطوائف، اغتيالات، خراب مؤسسات الدولة وفسادها، فلتان الحدود، سيطرة ميليشياوية على المطار والمرافئ، منظمات إرهابية، مخيمات فلسطينية يُخاف عليها ويُخاف منها، أمراء الحرب في معركة الاستيلاء على الحكومة والوزارات، تنافس عنيف بين القوى الإقليمية والدولية، هجرة واسعة النطاق للشباب والمتعلمين وأصحاب الخبرات والطبقة الوسطى والعليا، دمار اقتصادي وتحلل اجتماعي وبؤس عمومي مكلل بتفسّخ أخلاقي وهيمنة السلاح والمافيوية، موت بطيء ومؤكد للنظام السياسي. واليأس سيد على الحياة.

تلك هي الثمانينات، مغمورة بيوميات الحروب المتعددة على طول الجغرافيا اللبنانية. وإذا، نحينا جانباً مظاهر المتاريس والمدافع، فليس العام 2020 بعيداً عن كل ما ميّز تلك الحقبة ما قبل الطائف. العناوين الكارثية ذاتها، الأزمات والمعضلات عينها، الانهيار نفسه.

عمر ذهب سدى وهدراً. أجيال تستأنف التراجيديا إياها. ثروات وجهود وأفكار وعمران وأزمان تبددت في “استئناف البدء” (وضاح شرارة). استئناف الأهوال و”الانتصارات” والملاحم الطائفية المروعة، واستعصاء النظام والدولة والمواطنة.

نعود إلى الثمانينات إياها، إلى قادة طوائف بالغي الشراسة، إلى كتل طائفية مستعدة لإبادة بعضها البعض. نعود إلى “التفاهة” سياسة لا تتورع عن الجريمة والحض على الكراهية والخوف.

في العام 1984، كانت حكومة رشيد كرامي. وصدقوا، في ذاك العام الكابوسي، كان وليد جنبلاط وزيراً للسياحة وللأشغال العامة والنقل، ونبيه برّي وزيراً للعدل وللموارد المائية والكهربائية، وكميل شمعون وزيراً للإسكان، وبيار الجميل وزير الشؤون الاجتماعية..إلخ. ولنتأمل ببعض فقرات البيان الوزاري آنذاك: “اعتماد السبل الديموقراطية لحل النزاعات الداخلية وإلغاء جميع المظاهر المسلحة والعوائق وكل ما من شأنه منع الدولة من ممارسة مسؤولياتها بما في ذلك حل الميليشيات المسلحة ومنع الجبايات غير القانونية وإقفال المرافق غير الشرعية”. والأدهى: “تلغى قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة. وتستثنى من هذا الإلغاء وظائف الفئة الأولى على أن تكون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وعلى أن يؤدي ذلك إلى إلغاء نهائي لقاعدة التوزيع الطائفي في المرحلة اللاحقة”. هذا ما هو مكتوب قبل 36 عاماً! ولعل المدهش في بيان تلك الحكومة: “التمسك بعدم الانحياز في سياستنا الخارجية من دون أن يعني ذلك تجنباً عن صداقاتنا، خاصة مع العالم الحر وعن انتمائنا إلى الأسرة العربية والدولية التي لا غنى لنا عنها لا سيما في هذه الظروف”.

كل هذا تم سحله وتشويهه والانقضاض عليه مراراً وتكراراً. الكذَبة يكتبون ويمحون. الكذَبة يجرون طوائفهم إلى المسلخ بسهولة فائقة.

عادت البلاد اليوم إلى صفرها الكبير المرسوم في ثمانينات معارك أمراء الحرب إياهم، حمَلة “حقوق الطائفة” التي لا سبيل إليها إلا بالغلبة وبسحق الطوائف الأخرى.

عام 2020، كنا نتخيله قبل أربعة عقود لبناناً فردوسياً، لبناناً ذهبياً، لبناناً شعرياً. يا للمخيلة الخادعة، يا للواقع اللئيم.

في الأيام الأخيرة، عاد الرئيس نبيه برّي إلى ما كان عليه قبل “الطائف”، قائداً لحركة “أمل” وفق ما كانته تلك الحركة حينها وما كانه هو. حزب الله الذي لم يغادر كثيراً الثمانينات وإن تطورت أساليبه وتنوعت وتوسعت، عاد في نظر العالم منظمة خطرة قادرة على أعمال العنف واستخدام القوة، تماماً كما شاعت صورته في الثمانينات.

والمنظمتان الشيعيتان في الثمانينات كان صعودهما أشبه بانفجار بركاني أطاح بكل ما حوله، متشبعاً بحرارة خطاب المحرومين والمظلومية، ومدفوعاً بزخم أيديولوجي ومادي من “الثورة الخمينية”، وبسند سياسي عسكري مخابراتي من النظام السوري.

قائد المدفعية المستولي على القصر عاد إليه ليستأنف عهد الانقلابات والإلغاء والهجرة المسيحية التي لا تعويض لها. قائد الميليشيات المسيحية يندفع (برغبته أو رغماً عنه) إلى استعادة عنفوان عسكري وعصبية “المقاومة”. جنبلاط الجبل، يعود إلى الحصن والطائفة واستنفار الخوف الوجودي. اسماعيل هنية يوقظ الدور والحنين إلى المخيمات – القلاع والصواريخ.

وعلى هذا المنوال، تعود خريطة الثمانينات ولغتها ولعنتها ورعبها الدموي وخرابها السياسي والاقتصادي.. فوضاها ورثاثتها، تحت ظل حكومة التفاهة والعجز.