الرئيسية / home slide / ارتفاع نسبة البطالة كارثة تنذر بانفجار اجتماعي في لبنان

ارتفاع نسبة البطالة كارثة تنذر بانفجار اجتماعي في لبنان

عبد معروف
القدس العربي
29052022

لم يتمكن لبنان حتى الآن من وضع حد لحالة الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يتعرض له، بل تفاقمت الأوضاع الحياتية والمعيشية بشكل ملحوظ، وبرزت من خلال عدم استقرار قيمة العملة الوطنية (الليرة) وارتفاع الأسعار وفقدان الكثير من المواد الاستهلاكية. ورفع قيمة الضرائب الجمركية في مرفأ بيروت والمعابر الحدودية ينذر بمزيد من ارتفاع الأسعار ونسبة الغلاء بصورة ليس من السهل تحملها، وهذا ما أدى إلى ارتفاع جديد وخطير في نسبة البطالة خاصة في صفوف الشباب والشابات، والمزيد من موجات الهجرة الشرعية وغير الشرعية، ذلك لأن ارتفاع نسبة البطالة والعاطلين عن العمل في لبنان، باتت نتيجة متوقعة مع تزايد حالات الانهيار التي يتعرض لها الاقتصاد اللبناني، وتشكل كارثة تنذر بانفجار اجتماعي ليس من السهل التنبؤ بحجمها ونتائجها.
فمن بين كل ثلاثة لبنانيين، هناك لبناني واحد عاطل عن العمل، هذه العبارة تختصر الواقع اللبناني، فالأزمة الاقتصادية اشتدت، وارتفاع نسبة البطالة هي من أبرز صورها، وأصبحت عيون اللبنانيين واللبنانيات (خاصة قطاع الشباب والمتخصصين) على فرصة عمل والسفر إلى خارج البلاد لتأمين حياة كريمة.
تعرف البطالة بأنها ظاهرة اختلال في التوازن في سوق العمل، بحيث لا يتمكن جزء من قوة العمل في المجتمع من الحصول على عمل منتج، رغم أنه راغب وقادر على القيام بالعمل.
والبطالة هي «تعطل العامل مع وجود الرغبة لديه في العمل عند مستوى الأجر السائد في السوق» أو هي عبارة عن «مجموعة الأفراد الذين لا يعملون ولديهم الرغبة في العمل عند مستوى الأجر السائد في السوق».
أما التعريف الشاسع للبطالة الذي أوصت به منظمة العمل الدولية ينص على أن «العاطل عن العمل هو ذلك الفرد الذي يكون فوق سن معين بلا عمل وهو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه عند مستوى الأجر السائد لكنه لا يجده».
وسجل لبنان خلال الأشهر القليلة الماضية ارتفاعا ملحوظا في نسب البطالة بلغ عتبة الـ 41 نهاية عام 2021 حسب الإحصاءات الرسمية. وقد فاقت 50 إلى 60 في المئة كما تعتقد المديرة العامة لوزارة العمل بالانابة مارلين عطالله في الأشهر الأولى من العام 2022.
وللبطالة أشكال متعددة في لبنان، فإلى جانب البطالة المبطنة (بسطات الباعة، وبائعو أوراق اليانصيب وغيرها) يشير رئيس قسم التحرير والدراسات في المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين أسعد سمور، إلى أن البطالة في الواقع اللبناني لا تحتسب فقط بعدد القادرين على العمل وعاطلين عنه، وإنما أيضا العاملين الذين يعملون بشروط عمل غير لائقة، وفي هذه الحالة يتحول القطاع العام بما يشكله من قوى عاملة إلى عاطل عن العمل، فهناك موظفون في مؤسسات الحكومة اللبنانية يتلقون رواتبهم وهم في بيوتهم، من دون حضور ودوام يومي في مكان العمل، «وهناك موظفون في القطاع العام يقبضون أجورا تقل عن 60 دولارا في الشهر الواحد، فيما رواتب موظفي الفئة الأولى والثانية تصل إلى حدود الـ100 و200 دولار، فكيف بالمياومين وموظفي الفئة الثالثة والرابعة والخامسة؟».
ورأت «الدولية» للمعلومات في بيروت وهي مؤسسة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية، إن كل المؤشرات والأوضاع الاقتصادية التي يعيشها لبنان تشير إلى إمكانية ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل في الأشهر المقبلة، إلى نحو مليون عاطل عن العمل أي بنسبة 65 في المئة.
وذكرت في تقرير لها، أن الاستطلاعات تشير إلى أن عدد العاطلين عن العمل في لبنان قبل 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 كان نحو 350 ألفاً أي بنسبة 25 في المئة من حجم القوى العاملة. ورأت أنه في السنوات الثلاث الماضية كانت الهجرة والسفر يحدان من ارتفاع عدد العاطلين عن العمل وهذا الباب قد أوصد في وجه اللبنانيين بشكل كبير وبالتالي فإن نحو 50 -60 ألفاً سينضمون إلى العاطلين عن العمل، وهذا الرقم يشمل نحو 30 ألفاً من الخريجين الجامعيين الجدد.
وأكدت أن الانهيار الاقتصادي والمالي المستمر في لبنان قد يؤدي إلى مليون عاطل عن العمل، مع خفض رواتب عدد من العاملين، بالإضافة إلى تآكل القدرة الشرائية لدى جميع العاملين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية (نحو 95 في المئة من العاملين في لبنان) فهذه المؤشرات المقلقة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي قد تسبب أزمات ومشاكل قد تكون «كارثية».
وحول ارتفاع نسبة البطالة في صفوف المرأة اللبنانية عام 2022 أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، دراسة بعنوان «النساء على حافّة الانهيار الاقتصادي: تقييم التأثيرات المتباينة للأزمة الاقتصادية على النساء في لبنان» استنادًا إلى تحليل البيانات الأوليّة، استخدمت الدراسة البيانات المتاحة على نحو عام، حول التوظيف والاقتصاد لفهم تأثير الأزمة الاقتصادية على مشاركة المرأة في الاقتصاد بشكل أفضل، علماً أنها كانت قبل الأزمة من بين أدنى المعدلات في العالم.
بناءً على التحليل الذي أجرته كاتبتا الدراسة، نسرين سلطي ونادين مزهر، فقد أدى الانكماش بنسبة 25 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى زيادة في نسبة بطالة النساء إلى 26 في المئة أواخر العام الماضي، هذا يترجم بزيادة بنسبة 63 في المئة – من 81.200 إلى 132.500 – في عدد النساء العاطلات عن العمل- أو زيادة 51.300 امرأة عاطلة عن العمل في حزيران/يونيو 2020 مقارنة بعام 2018/2019. ووفق تقدير متحفظ لخروج النساء من القوى العاملة – أي النساء اللواتي لم يعدن يبحثن عن وظائف – وصل الرقم إلى ما يقارب 40.000 خلال الأشهر الماضية. وبالتالي، يمكن توقع انخفاض عدد النساء العاملات إلى أكثر من 22 في المئة منتصف العام الحالي 2022. ومع ذلك، فإن الآثار الإجمالية لفقدان العمل المتوقع، في موازاة ارتفاع الركود الاقتصادي الذي تعاني منه بعض النساء تعني أن عدد النساء اللواتي لا يعملن قد ارتفع بمقدار 106.750. ومن شأن هذا الانخفاض الكبير في مشاركة المرأة في الاقتصاد أن يكون له تأثير اجتماعي واقتصادي عميق على لبنان.
لقد ثبُتَ أن مشاركة المرأة في الاقتصاد تؤدي إلى إنشاء مجتمعات أقوى وأكثر شمولا، وعلى مستوى الأسرة والمجتمع المحلي، فإن وصول المرأة إلى الأماكن العامة والتوظيف يعد مدخلاً بالغ الأهمية لضمان وصولها إلى الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية وغيرها من أساسيات الحماية الاجتماعية الرئيسية، بينما تعمل المرأة أيضًا كوسيط حاسم لتعزيز اتخاذ القرار وخفض حدة العنف.
وتعتقد راشيل دور ويكس، رئيسة مكتب هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان أن الآثار المعقدة للأزمة الاقتصادية في لبنان لن تؤدي إلا إلى تفاقم مواطن الضعف الموجودة أساسا والتي تواجهها النساء بالفعل، مما يجعل الحياة أسوأ بالنسبة لمعظم النساء اللبنانيات، لا سيما اللواتي يعانين بالفعل من آثار تمييز متعدد الجوانب أي النساء المهاجرات واللاجئات، والنساء ذوات الحاجات الخاصة، والعديد من النساء اللواتي يعشن بالفعل على الهامش ويُعتبرن غير مرئيات.
ورأت أن هناك فرصة لإعادة بناء أسس مجتمع أكثر مساواة وإنصافًا في لبنان، يراعي بشكل كامل القيمة الإنتاجية وحقوق المرأة، من خلال تدخلات سياسية وبرامجية مدروسة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وحددت أجندة إصلاحيّة تدريجية للمساعدة في تخفيف هذه الخسائر وتعرض لتدابير سياسية لتحسين حياة النساء في لبنان وسبل عيشهن، ودعت إلى إصلاحات للحد من التفاوتات الهيكلية وتحقيق استقرار أكبر ولضمان توزيع النمو بالتساوي واتباع سياسات اجتماعية تهدف إلى الحد من عدم المساواة في الوصول إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفاً، ولا سيما النساء، وطالبت الدولة بوضع دراسات وأبحاث للخروج بأرقام واضحة حول البطالة يتم على أساسها وضع حلول عملية قابلة للتطبيق.
الآثار الاقتصادية الاجتماعية للبطالة، إحدى القضايا الرئيسية الخطيرة التي تواجه لبنان اليوم، والتي ستزيد وضع البلد المهتز أمنيا واقتصاديا تفاقما للواقع المعيشي، ولتفادي هذه المشكلة لا بد من سياسة حكومية واضحة تؤسس لخفض معدلات العاطلين عن العمل.
البطالة، تمثل أخطر أنواع ظواهر تردي الوضع الاقتصادي، وتمتد سريعاً من أزمة اقتصادية إلى أزمة معيشية وأمنية خطيرة جداً، والنتيجة الأكيدة لكل ذلك استمرار نسبة البطالة في ارتفاع متزايد إلى مستويات خطرة قد تنقلب في لحظة إلى خطر معيشي وأمني، مع عدم الاستقرار السياسي الذي يعيشه لبنان حالياً، ما يجعل من تصاعد حالات الجريمة والسرقات والقتل والهجرة غير الشرعية أمرا حتميا، إن لم تسارع الدوائر المعنية في الدولة اللبنانية إلى تدارك الأمر قبل فوات الأوان.

كلمات مفتاحية

عبد معروف