الرئيسية / home slide / اخجلوا.. هذا ليس السيناريو الإيطالي أبداً

اخجلوا.. هذا ليس السيناريو الإيطالي أبداً

وليد حسين|الأربعاء13/01/2021
Almodon.com



“ماكينة تنفّس ما عندي. بالعربي المشبرح، المريض شلتو عن مكنة التنفس، تا حطّ مريض تاني أصغر منو.” هذا ما قالته إحدى الممرضات على باب إحدى المستشفيات لجمهرة مواطنين كانوا ينقلون مصاباً كبيراً بالسن إلى تلك المستشفى. وعندما قال محدثها أعطني حلاً، كان جوابها: “إبحث عن مستشفى آخر”.

إيطاليا والاستشفاء المجاني
كل من شاهد هذا الفيديو قال بتنا نعيش “السيناريو الإيطالي”. فأول ما يتبادر إلى ذهننا تكدس المرضى في المستشفيات الإيطالية بعيد انفجار جائحة كورونا هناك العام الفائت، وتلويح أكثر من مسؤول ووزير وطبيب من مغبة وصول لبنان إلى “السيناريو الإيطالي”.

كلما أسمع أو أقرأ تصريحاً لمسؤول أو وزير أو نائب يحذر من وصول لبنان إلى “السيناريو الإيطالي” أشيح النظر وأردد: ما هذا الهراء. هل يدرك هذا المتفوه بتلك العبارة أن القطاع الصحي الإيطالي عام وشامل، وأن الجزء الأكبر من العجز في الميزانية في إيطاليا هو بسبب الإنفاق على الصحة. الاستشفاء هناك مجاني في الحالات الطارئة لجميع السكان، ومجاني لذوي الدخل المحدود في جميع الحالات؟

هل يدرك هذا المسؤول، المتخلي عن مسؤولياته، أن إيطاليا بلد فقير. وأنه إذا قيس الأمر بالسياسات النيوليبرالية، هو حقاً فقير بسبب التقديمات على الصحة والتعليم المجانيين؟ “نعم إيطاليا بلد فقير” كررت أستاذة الاقتصاد التطبيقي على مسامعنا عندما احتج الطلاب الإيطاليون على هذا التوصيف، عندما كنت طالباً هناك، وقالت: “نحن بلد فقير قياساً بمحيطنا الأوروبي، وليس مقارنة ببوركينا فاسو”.

ما السيناريو الإيطالي؟
عندما حلت جائحة كورونا بمقاطعة لومبارديّا في الشمال الإيطالي، لم يكن العالم كله جاهزاً لتلقي مثل هذه الكارثة الصحية. وقد ساهمت طبيعة عيش الإيطاليين ووسائل مواصلاتهم في انتشار الجائحة بتلك المقاطعة، المكتظة بالسكان والمصانع والجامعات، وكل الوسائل الممكنة والمفضّلة لعيش وتكاثر فيروس كورونا وانتشاره. وبعد نحو أسبوعين أو أكثر انتقلت الجائحة إلى دول أوروبية كثيرة، وعانت من مشاكل شبيهة بتلك التي عاشتها إيطاليا. وكانت الأخيرة قد بدأت بوضع خطط لمواجهة الجائحة، وعملت على نقل المرضى إلى مقاطعات أخرى لم تتضرر أو بقيت بمنأى عن “سيناريو لومبارديّا”، واستقدمت كوادر طبية وتمريضية من مختلف المقاطعات. ووضعت بلد دانتي ودافنشي على سكة التعافي، وانهمكت مراكز الأبحاث بالتجارب على علاجات لمرضى كورونا.

نعم، لقد عانت مدن عدة في مقاطعة لومبارديا، وليس كل إيطاليا، من تكدس المرضى في ممرات المستشفيات، ولم يكن لديها ما يكفي من أجهزة التنفس الاصطناعي، ما جعلها تضع أولويات في علاج المرضى. حتى أن الكاهن جوزيبّي بيراردلّي قائد أحد الرعويات في بيرغامو تخلى عن جهاز التنفس الاصطناعي، وطلب أن يضعوه لشخص أصغر سناً منه، ومات كي يعيش غيره.

السيناريو اللبناني 
لكن أين نحن من إيطاليا بعد مرور سنة على الجائحة، ولم نتمكن من رفع جهوزيتنا لاستقبال المزيد من المرضى في المستشفيات؟ أين نحن من إيطاليا عندما تضطر ممرضة تعمل في إحدى المستشفيات الحكومية إلى دفع مبلغ مليوني ليرة لإحدى مستشفيات النبطية الخاصة ثمن نقل وحدتي “بلازما” لها، عندما كانت تتعالج من كورونا، كما أكدت لي شخصياً؟ وهل أصلاً تكدس المرضى على أبواب المستشفيات الخاصة في لبنان، كما هو حاصل حالياً، يجعلنا نعيش “السيناريو الإيطالي”؟ وهل رفض المستشفيات استقبال المرضى يمت بصلة بما حصل في إيطاليا، أم أن مستشفياتنا لم ترفع جهوزيتها بسبب صراعها مع وزارة الصحة على دفع المستحقات؟ ألم يمت لبنانيون كثر على أبواب المستشفيات سابقاً بسبب عدم قدرة المواطن على الدفع النقدي؟
منذ ولدنا، نحن ملزمون بتأمين طبابتنا في المستشفيات الخاصة، بعدما تخلت كل الحكومات المتعاقبة عن تأمين طبابة عامة تقي اللبنانيين شر العوز والمرض. وعندما حلت بنا جائحة كورونا أُلقيت مسؤولية علاج مرضى كورونا على المستشفيات الحكومية. أما المستشفيات الخاصة التي افتتحت أقساماً لعلاج مرضى كورونا، فجعلتها للبنانيين الذين يدفعون نقداً، أو عبر شركات التأمين والمؤسسات الضامنة، لأن صراع المستشفيات الخاصة مع وزارة الصحة مزمن.

العجز والتواطؤ
لغاية يوم أمس، لدينا 1600 مريض كورونا في المستشفيات، بينهم 618 مريضاً في العناية الفائقة، بينما يوجد في لبنان نحو 130 مستشفى خاصاً ونحو 30 مستشفى حكومياً. وأكد وزير الصحة أن عدد أسرة العناية الفائقة في المستشفيات ارتفع 200 سرير خلال الخمسة أيام الأخيرة، وأصبح العدد الكامل لأسرة العناية في المستشفيات الخاصة بحدود 582 و202 في المستشفيات الحكومية. وكانت المستشفيات الخاصة قد أقعدت نحو 40 في المئة من الكادر التمريضي، إما في البطالة أو بنصف وربع راتب. فهل هذا هو “السيناريو الإيطالي”؟ جلّ ما في الأمر أن مسؤولينا يلوحون بـ”السيناريو الإيطالي” لإخفاء عجزهم، وتواطئهم عن تأمين الحد الأدنى من الاستشفاء اللبنانيين. وفي الوقت الذي بدأت فيه أكثر من 43 دولة بتلقيح سكانها، ينتظر اللبنانيون رحمة البنك الدولي لإقراضنا ثمن اللقاحات. وعوضاً عن اتخاذ خطوات لتجنبنا سرعة انتشار الوباء، فتح المسؤولون البلد بموسم الأعياد، ووصلنا إلى واقع أسوأ بآلاف المرات من “السيناريو الإيطالي”. نحن في قعر القعر.

لا تقارنوا أنفسكم بإيطاليا.. ولا حتى ببوركينا فاسو.