اختراق “حزب الله” للساحة الدرزيّة سياسيّ فقط؟

يعرف اللبنانيّون أن الاستراتيجيا الداخليّة لـ”حزب الله” تتضمّن اختراق الساحتين الدرزيّة والسُنيّة في لبنان، وأنّ نظام سوريا يتبنّى ذلك لكنه لا يعني أن الاثنين اشتركا في وضع خطّة عملانيّة لتنفيذ الاختراق رغم الوحدة “التكتيكيّة” في الهدفين، لأن حساباتهما الاستراتيجيّة المتعلّقة بلبنان قد لا تكون مُتطابقة. ويعرفون أيضاً أن الرهان على الاختراق الدرزي كان دائماً على الأمير طلال أرسلان بوصفه رئيس إحدى الزعامتين التاريخيّتين الدرزيّتين، كما على “زميلنا” السابق وئام وهّاب المُناهض للجنبلاطيّة بعدما كان جزءاً منها. ويعرفون ثالثاً أنّ نجاح الاختراق يحتاج إلى دعم مُتنوّع، و”الحزب” لم يُقصّر في تقديم معظمه لهما كما تكفّلت دمشق تقديم الباقي على قِلَّته لأن ظروفها لا تسمح بتقديم الكثير. ويعرفون رابعاً أنّ “الحزب” لم يضع في حسابه يوماً أن يتجاوز تأييده الدعم السياسي والمادي والتدريبي والتسليحي. علماً أن تحريضاً على “الجبل الدرزي” يقوم به زعماء مسيحيّون جُدُد حلمهم أن يصبحوا بشير الجميل برفع شعارات إعادة السلطة إلى المسيحيّين بعدما خسروا حرباً استمرّت 16 سنة لأسباب متنوّعة يعرفها الجميع. كما أنّه (أي “الحزب”) لم يضع في حسابه الانخراط في “حرب جبل” أخرى إذا وقعت لا سمح الله وذلك لسببين، أوّلهما أن تجربة صغيرة وقصيرة من هذا النوع حصلت عام 2007 اكتشف في أثنائها أن الدروز واجهوه صفّاً واحداً مُتخطّين العداوات التاريخيّة التي تحوّلت منافسات وهي تعود الآن عداوات. وهذه طبيعة درزيّة مُتأصّلة وخصوصاً عندما يواجه أصحابها خطراً يعتبرونه داهماً على الجميع. ومعروف أن مواجهة الاعتداء من خارج الطائفة عليها تمّ دائماً في تاريخ لبنان الحديث تحت راية الزعامة الدرزيّة التاريخيّة الثانية أي الجنبلاطيّة. طبعاً لا أحد يستطيع معرفة إذا كان هذا الوضع سيتغيّر الآن لا قدّر الله، إذا غابت “الحكمة” عن الدروز وهم أهلها مثلما هم أهل “التوحيد”. أمّا السبب الثاني فهو أن “الحزب”، الأقوى من الجميع داخل لبنان شعبيّاً وسياسيّاً داخل طائفته القادر على خوض معركة داخليّة شرسة وإن مع طائفة معروفة بقوّة الشكيمة، صار قوة إقليميّة يحسب لها العالم ألف حساب. لكنّه مُستهدف اليوم ومعه راعيته بل المساهمة الأولى في تأسيسه ورعايته ودعمه باعتباره ابنها الإيديولوجي إيران، وهما يخوضان معركة ضخمة مع إسرائيل وأميركا والعالم العربي والإسلامي السُنّي. كما يشترك فيها إلى جانب هؤلاء الاتحاد الأوروبي في صورة عامّة رغم رغبة دوله في حل القضيّة سلماً ولا سيّما مع إيران. علماً أن روسيا التي تتشارك معهما في الدفاع عن نظام الأسد في سوريا لا تخفي دوافعها المصلحيّة من وراء ذلك، كما لا تخفي علاقتها الجيّدة بإسرائيل. وعلماً أيضاً أن الصين صاحبة العلاقة الطيّبة مع إيران وروسيا لا تبدو الآن في وارد توسيع امتدادها السياسي – الاقتصادي – العسكري خارج محيطها الجغرافي بحيث يشمل الشرق الأوسط المُلتهب. فهي طويلة البال وغير مُستعجلة وتعرف أنّ المستقبل الدولي لها أو على الأقل نصفه سيكون لها بعد عقود قد تقلّ كما قد تكثُر. وفي ظروف كهذه لن يُساهم “حزب الله” في إشعال نار الحرب داخل “الجبل الدرزي” وبينه وبين مسيحيّيه والمسيحيّين الآخرين. فالأعداء كثيرون ومُصمّمون، فضلاً عن أن وضع أي طائفة لبنان أو “شعب”، وهي التسمية الأكثر واقعيّة، أمام مصير محتوم غير إيجابي طبعاً سيدفعها إلى أحضان أي شيطان متوافر في المنطقة وفي العالم. وهؤلاء موجودون بكثرة عند مُسلمي الأخير ومسيحيّيه ويهوده وعند أبناء الديانات الأخرى غير التوحيديّة كما تُسمّى. طبعاً لا يعني ذلك ترك “الحزب” حلفائه الدروز إلى مصيرهم. إذ باستطاعته حمايتهم بالسياسة والضغوط ولا سيّما على أخصامهم داخل طائفتهم كما في الداخل اللبناني، وجعلهم تدريجاً أصحاب موقع ونفوذ لا بأس بهما. فإذا انتهت الظروف الإقليميّة الدوليّة غير المساعدة المشروحة أعلاه على نحو مفيد له ولإيران يتعزّز كثيراً وضع حلفائه الدروز، علماً أن العواطف الدفينة عند غالبيّتهم قد تكون مُعاديّة أو رفضيّة. إذ أنّهم من أكثر الطوائف تمسّكاً بأرضهم. واستمرارهم في دول عدّة في المنطقة يدلّ على ذلك. وإذا انتهت على نحو مؤذٍ له يبقى حلفاؤه ولكن بأحجامهم التي ضمّرت منذ تولّي الشهيد كمال جنبلاط مقاليد الزعامة الدرزيّة أيّام السلم ثمّ في الحرب التي قاد فيها الدروز سنتين تابعها بعده خلفه وليد بك فـ”بدّع” فيها. هل يعني تبنّي “حزب الله” أخصام الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط من شعبه حمايتهم وتمكينهم من القضاء عليه وفرض الأمر الواقع على جماعاته بقوّته العسكريّة؟ الجواب التحليلي يفيد أن “هزّه” العصا لجنبلاط شيء واستعمالها ضدّه شيء آخر، وأن هدف “الحزب” هو مساعدة حلفائه الدروز على إثبات وجودهم الفاعل في منطقتهم. أمّا القتال عنهم ومعهم فسيُعرّيهم وسيُغرق البلاد في حرب أهلية مماثلة لحرب كالليبيّة. ومن شأن ذلك خسارته “العصفور الذي في اليد” وعدم إمساكه بـ”العصافير العشرة التي على الشجرة”. طبعاً لا يشكّ أحد في نيّته اختراقه “الشعب” الدرزي في ساحته الأساسيّة وحماية حلفائه فيه ولكن ليس بالحرب بل “بشهر سيف العزّ وعدم الضرب به”، وبالتلويح بإحالة ملف الحادث الأمني الأخير على المجلس العدلي، وربّما تكرار محاكمة قائد “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع بعد تفجير كنيسة سيّدة النجاة ولكن مع زعيم غير مطواع شعبه يقاتل إلى النهاية. لذلك فإنّ السؤالين اللّذين يُطرحان اليوم هما: هل يقف “حزب الله” وراء حركة الوزير جبران باسيل الاستفزازيّة في مناطق أخصامه، أم أنّه يحاول تكريس اختراقه الدرزي البحت ويُتابع حرب حليفه الرسمي باسيل تلافياً لارتداد سلبيّاتها عليه؟ وهل ينتظر “الحزب” نجاح تكريس اختراق الدروز كي يتابع عمله الدؤوب لاختراق الساحة السُنّية وبالسياسة على الأرجح؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*