الرئيسية / أضواء على / احرق كتابا… وخُذ مكافأتك!

احرق كتابا… وخُذ مكافأتك!

 ابراهيم نصر الله 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
20022020

كثيرة هي الأبحاث التي صدرت عن تاريخ حرق الكتب، منذ أن أصبح الكتاب ورقيّاً أو مدوَّناً على الجلود، تناول ذلك دارسون عرب وأجانب، متتبعين هذا التاريخ الأسود لمعاداة الكلمات ووهجها. كما أن العالم، قبل اختراع الورق، لا يخلو من جرائم يمكن أن ندعوها تحطيم الكتب وسحقها، في زمن كانت فيه النصوص تدوَّن على الطين أو تنقش في الصخر.
اليوم، بات الحرق شبه يومي، حيث تقوم بعض المواقع بحرق النصوص عبر حذفها، حذف كل ما يتعارض مع سياسات الموقع وأجندات المشرفين عليه، وفي حالات كثيرة أيضاً تقوم الدول بحرق الكتب بمنعها أو تحريمها وحرق الصحف بحجْب مواقعها على الإنترنت، فكم من صحيفة ومجلة لا نستطيع اليوم الوصول إليها بسبب حرائق الفضاء الإلكتروني الأوسع من مخيلتنا.
لكنني لا أريد أن أستفيض في الحديث عن هذا الحرق الفوقي، أو المتعالي بقوة السلطة، أو بقوة الرقيب، أو بقوة أصحاب المحركات والمواقع الكبرى والصغرى، دون أن ننسى أن الحرق يصدر عن المحروقين أيضاً، في الصحف والمؤسسات الإعلامية، حيث يُحرَّم على كثير من الناس أن يتوهجوا من خلالها، فيُحرقون بالحَجْب، حجب الحديث عنهم أو عن أعمالهم، ويشمل ذلك أيضاً بعض الجوائز الكبيرة التي تُحجَب بهدف الحرق، لكن التجربة الإنسانية علمتنا أن الكتب لا تحترق، والأفكار لا تحترق، لأن الوعي والأحلام والجمال غير قابلة للتحوّل إلى رماد.
تلك جرائم كبرى بحق المعرفة والوصول إليها، لكنني سأتحدث هنا عمّا يمكن أن ندعوه «الإساءة» للقارئ والكتاب والكاتب، التي يمارسها أناس، أحياناً، عن محبة للكتب والأفلام والقصص والمسرحيات، وأحياناً عن عدم وعي كامل.
.. وحرق الفيلم أو الرواية، ربما يكون اصطلاحاً مصريّاً، يُقصد به أن هناك مَن يستفيض في حديثه عن تفاصيل فيلم أو نص حكائي، إلى درجة أن من يستمع إليه يقول له: لقد حرقت الفيلم، أو حرقت الرواية!
سأعترف أنني لا أحب هؤلاء كقارئ ومشاهد، وقد بيَّنت التجربة والملاحظات التي يدوِّنها القراء والمشاهدون أن مثل هؤلاء لا أحد يحب ما يقومون به، ولكنهم يواصلون عملهم.
أقرأ لقارئة تعليقاً على مقال حول إحدى الروايات، مخاطبة كاتبه: لقد حرقت العمل، أتعرف أنني بتُّ لا أقرأ أي دراسة أو مقال عن كتاب قبل أن أقرأ ذلك الكتاب.
لكن الغريب أن حارقي المتعة هؤلاء لا يفهمون هذا الكلام أبداً، إذ يكررون الحرق مرة تلو أخرى.
بعد انتهاء لقاء أدبي، اقتربتْ مني إحدى القارئات وقالت لي بانفعال حقيقي: لو كنت أعرف أن مَن سيتحدَّث عن الرواية سيقوم بحرقها لما أتيت، ولذا أسمح الآن لنفسي أن أعاهد نفسي أنني لن أحضر بعد اليوم أي مناقشة لأي رواية قبل أن أقرأها.
المشكلة أن هذه الحوادث المزعجة تكون غالباً في حفلات إشهار الكتب، في وقت لم يُتح للجمهور بعدُ قراءة العمل المُحتفى به، بل جاء إلى القاعة لأنه متشوق للحصول على العمل، فإذا به وجهاً لوجه مع حريق يُرمِّدُ ترقّبه وشوقه للكتاب.
هؤلاء الذين (يحرقون) الكتب لا يختلفون عن أولئك الذين كنا نصادفهم في دور السينما، يجلسون أمامنا أو خلفنا، أو إلى جانبينا ويستفيضون في الحديث عما سيحصل في المشاهد اللاحقة.
لكن الأمر بات واسعاً جداً مع ازدياد وسائل التواصل الاجتماعي، كما بتنا نرى هذا الأمر في صحف محترمة أيضاً، وهذا أمر غريب؛ هذا الأسبوع كنت أقرأ مقالاً عن فيلم شاهدته، كانت الصحيفة تحتفي بالمقال بطريقة لا يحظى بها إلا مقال محترم، لكنه في الحقيقة كتابة غير محترمة أبداً، فبعد المقدمة التي يُعدد فيها (الحارق!) أسماء العاملين في الفيلم، يسرد قصة الفيلم بالتفصيل، بل بالتفصيل الممل. تلخيص الفيلم دون مبالغة، يحتل 85٪ من حجم المقال، وفي النهاية هناك فقرتان يتمّ فيهما تحليل الفيلم!
الغريب أنني في بحثي عن مقالات محترمة عن هذا الفيلم وجدت أن هناك مقالاً عنه في موقع الـ بي بي سي، يتحدث عن دلالاته التي تمّ السطو عليها أيضاً في. هكذا يصل الإنسان إلى نتيجة تقول: إن الذي لا يتقن إلا التلخيص قد يكون أحياناً مُلخصاً لما كُتِبَ عن العمل أيضاً، لأنه لا يملك وعي التحليل كما ينبغي أن يكون التحليل؛ وهذا يجعلنا نستدعي ما تقوم به كثير من الجامعات المحترمة، حين ترفض البحوث التي يتقدّم بها طلبتها إذا كانت نِسَبُ الاقتباس تتعدى النسبة المئوية المسموح بها، كي يظل البحث بحثاً.
مسألة التلخيص هذه، إن لم تكن شفافة، لمّاحة، غير كاشفة للحبكة، وفي السياق الفعلي للنص النقدي، فهي تنمّ في الحقيقة عن فراغ لا يستطيع صاحب النص أن يملأه إلا بالسّطو على الحكاية، وهو هنا سطو فِعْلي، فبدل أن يُحلل، يستولي على حكاية ليست له، وهو يدّعي أنه يحاورها.
لا حوار، ولا تأمل في هذا النوع من النصوص.
على مستوى النقد في العالم تجد أن كثيراً من النقاد الأجانب، أو الصحف التي ينشرون فيها، يضعون تحذيراً في مقدمة مقالاتهم بأنهم سيكشفون بعض الأحداث الأساسية، وينصحون القارئ الذي لم يشاهد أو يقرأ العمل أن لا يقرأ ما كتبوه، لأن قراءة المقال ستُفسد المشاهدة أو القراءة. لكن هذا الأمر لا يحدث عندنا، إذ لو حدث لغادر الجمهور القاعات، تاركاً من يحرق الحكاية، وحده، على المنصة.
في مؤتمره الصحافي، لإطلاق فيلمه الأخير «حدث ذات مرة في هوليوود»، يرجو مخرج كبير، تارنتينو، الصحافيين عدم كشف نهاية الفيلم. واقعة الرجاء هذه نسمعها من مخرج كبير يعرف أن دمه سيحترق إن حُرقت حبكة فيلمه؛ إذ ماذا سيبقى، مثلاً، من فيلم «الحاسّة السادسة» إذا أخبرك أحدهم بنهايته؟!
وبعــد:
لو كنت محرراً صحافياً، لما قبلت بنشر هذه النصوص أبداً، وقد فعلت ذلك على مدى سنوات حين كنتُ أعمل في الصحافة، إذ لم أسمح بنشر هذه النصوص؛ أولاً، لضحالتها، وثانياً، لأنها سرقة لنصوص أصيلة، ولكن بدل أن يسرقها الحارقُ ويدعيها لنفسه، يسرق ملخصاتها لكي يحظى بمكافأة هي في الحقيقة من حق الكاتب الأصلي!
لا يُعاقب القانونُ هؤلاء، ولكن لا يجوز للصحف والمواقع المحترمة أن تكافئهم؛ مادياً بالدفع لهم، ومعنويّاً بنشر أسمائهم إلى جانب نصوص ضحاياهم، وكأن هؤلاء هم من يضيئوا لنا طريق المعرفة!

اضف رد