الرئيسية / home slide / احذروا الدم الفكري

احذروا الدم الفكري

27-08-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

جهاد الزين

من جنازة داريا دوغينا (أ ف ب).

قد لا يكون الاغتيال الثقافي، أي اغتيال ثقافي، خطرا أمنيا، أو سياسيا بالمعنى المباشر للتداعيات الأمنية أو السياسية ولكنه، كما علّمناالتاريخ، قد يكون الأعمق دلالةً على كون الصراع بلا حل أو على وصوله إلى نقطة “اللاعودة”.

الدم لدواعٍ فكرية هو حصيلة احتقان الصراع في باطن المحمول الثقافي للجماعات والأمم يتجمّد كقنبلة موقوتة متعددة الانفجارات في أزمنة مختلفة.

محاولة اغتيال المفكر السياسي القومي الروسي ألكسندر #دوغين التي انتهت بمقتل ابنته ( وقتل الأبناء أقسى وأكثر لؤما ورغبة بالاستئصال الانتقامي ) تشير إلى عمق ليس فقط الصراع بل القرار الصراعي مع #روسيا سواء في أوكرانيا أو في بعض الغرب. روسيا الملتبسة المزعجة منذ ليس أقل من مئتي عام، الطامحة، المتوسعة في شرق الكرة الأرضية حيث لم يستطع جيش غربي أو مستشرق غربي أن يصل والتي رغم انهيار أمبراطوريتها السوفياتية بقيت الدولة الأوسع مساحة وامتدادا في العالم.

ربما يكون التاريخ الحضاري قد جعل روسيا “الطرف الأصغر” في الحلف الصيني الروسي الحالي بعدما عاشت موسكو طويلا “الطرف الاكبر” في الحلف الصيني الروسي عندما كان العلم الشيوعي الأحمر بعد الحرب العالمية الثانية هو قائد هذا الحلف بين ماوتسي تونغ وجوزف ستالين إلى أن لعب ماو ثم ورَثَتُه لعبتهم الكبرى في الانفتاح التحالفي على ومع الولايات المتحدة الأميركية. اليوم وفي حلة حضارية صينية مختلفة اختار فلاديمير بوتين كما يكشف نصه القومي جدا المنشور مؤخراً الذي يعيد قراءة التاريخ الروسي ولا يترك مجالا للشك في وحدة هذا التاريخ الذي تمثّل أوكرانيا مركزاً أساسيًا لانبعاثه.

أرادت المتفجرة أن تقتل هذه الرؤية بالضبط التي يرمز إليها دوغين.

لا يتخثّر الدم الثقافي ولْيَحذَر كلُّ حاكم كبير أو صغير يداه ملطختان بدم مثقف،ليَحْذَر من اللعنة الأبدية. الدم الأقل تورطا أمنيًا قد يصبح حين ترفعه أجنحة الثقافة دماً لا يموت.

لستُ من الذين ينتظرون حربا عالمية ولكن منطق الصراع الجيوبوليتيكي الأميركي الروسي كما الصراع العلمي التجاري الاقتصادي والجيوبوليتيكي بين الصين والغرب هو منطق عالمي. دعك من الهراء الذي نسمعه. فلاديمير بوتين ليس أدولف هتلر ولا القومية الروسية هي القومية النازية. ثمة ضعف ما عميق متجدد في الروح الروسية التي أنتجت بعض أعظم كًتاب البشرية تجعل الدولة الروسية هجومية في الدفاع عن نفسها. ولكن القومية الروسية قومية عاقلة وعالمية إلى الحد الذي يمنعها من التهور المغامر. وليس في الشخصية الثقافية الروسيةأي تأجّج استنكاري عميق للثقافة الغربية مثلما يشعر بعض المثقفين العلمانيين والليبراليين الإيرانيين ضمناً بأن الثقافة العربية اغتصبت الثقافة الفارسية. القومية الروسية وصلت إلى، وعاشت وتعيش في الفضاء، بينما الثقافة الإسلامية تشعر أنها جهيضة في العالم المعاصر. إنها قومية متزنة ولو مأزومة أي الروسية ولديها ما يحفّزها على الشراكة الحضارية ولا تتحدث عن العصر كمجرد يوتوبيا بلغة جريحة كماهي الثقافات العربية والإيرانية والتركية المعاصرة..

أنتج الأدب الروسي راسكولنيكوف القاتل الحامل عقدة ذنب قاتلة. لكن حتى “الحرب والسلام” التي تدور فصولها خلال حرب نابوليون على روسيا ودكتور زيفاغو الضحية في الحرب الأهلية الروسية وآنا كارينينا العاشقة العاثرة الحظ، شخصيات كلها تذهب في رحلة لا إلى العدوالقومي بل أساسا إلى الطبقات “الجيولوجية” المرهفة من بسيكولوجيا الشخصية الروسية بعنفها حينا، وقلقها الدائم أحيانا، وتساؤلاتهاالتي لا تنتهي.

احذروا الدم #الفكري.

لم يتردّد أبو الواقعية السياسية البشعة في الديبلوماسية الأميركية هنري كيسنجر في نقد التعامل الغربي مع روسيا باعتباره أدّى إلى الحرب كذلك على طرف نقيض أستاذ العلوم السياسية البارز في الولايات المتحدة جون ميرشايمر. الإثنان، الأول كيسنجر المؤيد والراعي الدائم للوبي الإسرائيلي والبروفسور مير شايمر الناقد الشهير للوبي الإسرائيلي، اجتمعا بين قلة من النخب الفكرية الأميركية على نقد ماقد يكون الاستدراج الغربي لروسيا نحو الحرب التي قال في بدايتها الرئيس بوتين: تكفي كلمة واحدة لوقف الحرب وهي أنه لا عضويةلأوكرانيا في الحلف الأطلسي. الكلمة التي لم تصدر بعد.

قيل أن أكبر قرار سياسي حتى الآن اتخذه الحلف الروسي – الصيني هو قرار الحرب في أوكرانيا. ويبدو “العزف” الصيني في تايوان عزفا تناغميا في التوقيت واللغة لاحتواء الهجوم السياسي الأميركي على طرَفيْ البِحار واليابسة. وإذ يُجمع العديد من المراقبين الغربيين المقيمين في بكين وبعض متروبولات البر الصيني أن خطاب الوطنية الصيني قد قوي كثيرا في السنوات المنصرمة، فإن خطاب الوطنية الروسية، وهوغير الخفي، كان ينتقل من مستوى إلى أعلى كلما بدا التمدد الأطلسي مصمما وغير متراجع من جورجيا في القوقاز إلى بولونيا في الشمال الاوروبي الغربي.

فيما كان الدب الروسي يحطّم غاضباً في أوكرانيا والبحر الأسود كنت أقرأ قبل وعكتي الصحية الأخيرة رواية الكاتب الصيني يانغ رونغ”رمز الذئب” التي أصدرتها بالعربية “الدار العربية للعلوم ناشرون” واضطررتُ إلى وقف القراءة لأنتقل إلى المستشفى فيما كان قطيع الذئاب يشن حربا ضروسا في السهوب المنغولية يُظهر فيها الكاتب أن بطل روايته ( وهو الذئاب وقائدهم) يضعون استراتيجية انقضاض على الفريسة لا تحطّم الأسوار بل تقفز عنها.
الطغاة المعتادون على قتل الخصم الفكري ترعبهم الفكرة كأن الانهيار الذي تسبّبه الفكرة من شأنه أن يطيح بقصور الطغيان كلها.ولكن أيايكن توصيفها لمعنى استهداف المفكّر فهذا يعني أن الحرب ثقافية. ومن محاولة اغتيال دوغين أصبحت الحرب الروسية الأوكرانية، والروسيةالغربية، حرباً ثقافية:
احذروا الدم الفكري.

jihad.elzein@annahar.com.lb‏‬
Twitter: @ j_elzein