احذروا أفخاخكم !

نبيل بومنصف
النهار
09012019

مع ان التجربة المريرة مع معظم مكونات الطبقة السياسية اللبنانية لا تبيح لأحدنا الاندهاش حيال غرائب المواقف التي تتخذها قوى وأحزاب متى كانت هذه المواقف انعكاسا للولاءات والارتباطات الخارجية فاننا نعجز عن وصف منطقي لاندفاع قوى 8 آذار بمجملها في الدفع نحو تطبيع العلاقات مع النظام السوري مهما كان الثمن. كنا نقيم الرهان الخاطئ على تمايز بين تيار رئيس الجمهورية وحلفائه في 8 آذار بحدود دنيا تمليها المسؤولية خصوصا حيال مسألة لا تحتمل العبث الخطير الذي يطبع مواقف تعيد نكء الانقسامات العميقة داخليا. ولكن الرهان بدا ساقطا بما يفرض اعادة تصويب وقائع سياسية غابت تماما عن رؤوس حامية تنتابها نشوة التفوق في ميزان قوى مختل. ابرز هذه الوقائع انه يمكن الإفادة بعض الوقت من اختلال التوازنات اللبنانية في فرض تركيبات ظرفية حكومية او ادارية ولكن ذلك لا يسوغ المبالغات والمخاطرة بالذهاب نحو انقلاب من شأنه ان يعيد عصر وصاية النظام البعثي السوري على لبنان مباشرة او بواسطة حلفائه. وبمعنى اوضح فان هذا العل والغموض المتعمد والافتعال المتمادي في تعطيل تأليف حكومة لن تأتي في كل الأحوال حاملة عصا موسى العجائبية لم يعد يبرره سوى ربط حلفاء النظام السوري الازمة الحكومية بالواقع الناشىء في سوريا لكي تغدو الازمة الحكومية احدى وسائل الدفاع والهجوم للمحور السوري الايراني لبنانيا واقليميا بلا اي مواربة. وتبدو قوى 8 آذار كما لو انها لا تقرأ التاريخ ولا تجيد من علم الجغرافيا سوى التبعية العمياء في سعيها اللاهث الى فرض دفتر شروطها الطارىء حول التطبيع الفوري المجاني مع نظام بشار الأسد غير آبهة او مدركة لما يمكن ان يتسبب به الانجراف الأرعن نحو نهج مغامر بالاستقرار الداخلي والخارجي كهذا بالاتكاء الى منطق الاستقواء المجرب. ان قوى المحور السيادي الاستقلالي عانت وتعاني قصورا قاتلا في اعادة تنظيم قواعد التعامل مع الاختلال السياسي الذي نشأ عقب تفكك محور قوى 14 آذار وانخراط قواها الاساسية في التسوية الرئاسية والسياسية التي ادت راهنا الى تنمر القوى الخصمة بهذا الشكل الحاد. مع ذلك فان هذه الحقيقة لا تكفي قوى 8 آذار لركوب مركب خطير وخشن محمول بأحلام الهيمنة المطلقة والعودة الى حقبة دفنت تماما ولن تعود مهما تشابهت الظروف الدولية والاقليمية اي حقبة الوصاية السورية. ولعل المفجع حقاً في هذا السياق ان تنكشف القوى اللبنانية الحليفة للنظام السوري مرة أخرى في مظهر الحنين الى الوصاية اكثر من هذا النظام نفسه فيما هو يتكل على حلفائه لتعويم ركامه المتهالك سياسيا وديبلوماسيا ومعنويا بعدما اضطلع “حزب الله” بدور ميداني حاسم في انقاذه على حساب الكثير من تفسخات الواقع اللبناني. ولكن واقع ارتباط الحزب بايران وبالصراعات الاقليمية المفتوحة المتصلة بنفوذها شيء والعودة الى احلام الوصاية البعثية السورية شيء مختلف تماما الا على الذين يرفضون ان يمتثلوا لحقائق لا ترضيهم فيما هم يسخرون من خصومهم ويتنمرون عليهم بالذريعة نفسها!

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*