احتفالية كبيرة بمئوية المؤرخ والمناضل الفلسطيني إميل توما

 وديع عواودة 
القدس العربي
19112019

الناصرة ـ «القدس العربي»: أحيت مدينة حيفا داخل أراضي 48 الذكرى المئوية لميلاد المؤرخ والمناضل الفلسطيني إميل توما، في احتفالية مهيبة نظمها معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية وبرعاية وزارة الثقافة الفلسطينية.
وعقدت الاحتفالية التي أدارتها الفنانة أمل مرقص في موقع نادي حيفا الثقافي ورافقها معرض توثيقي وتاريخي يعكس محطات مهمة في تاريخ هذا المؤرخ والقائد الوطني والشيوعي المؤسس ومجالات عطائه الكبير ومحطات حاسمة في تاريخ الشعب الفلسطيني في أصعب مراحل. وتخلل الاحتفالية عرض فيلم وثائقي قصير يحمل اسم «جذور القضية الفلسطينية» أعد خصيصًا لهذه المناسبة ويشتمل على لقطات نادرة من مقابلات مع إميل توما.
ويحمل الفيلم اسم الكتاب المرجعي الشهير لدراسة القضية الفلسطينية، وقد أنتجه معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والإسرائيلية في حيفا بالتعاون مع السينمائي الفلسطيني قيس الزبيدي المقيم في ألمانيا، علمًا بأن المؤرخ الراحل قد وضع السيناريو الخاص به عام 1984.
وأوضحت اللجنة التحضيرية للاحتفالية أن «تقديم هذا القائد الفذ والإنسان الكبير الى أجيال جديدة ومتجددة من أهلنا وأبناء شعبنا وكل القوى التقدمية الذين ولدوا وكبروا بعد رحيل إميل توما، ووجدوا أنفسهم في خضم بحر هائج من الصراعات والعدوان والمؤامرات على قضايانا الوطنية والقومية والإنسانية والاجتماعية، دون أن يقيَّض لهم معاصرة هذا القائد والمفكر، منوهة الى أن الراحل توما عرف كيف يطوع النظرية الثورية ليجعلها سلاحًا حاسمًا في أيدي الجماهير المكافحة من أجل حقوقها الوطنية والطبقية، وأداة فعالة لتحليل قضاياها والصدام مع ثلاثي الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية».

السيرة والمسيرة

ولد الراحل إميل توما في حيفا في 16 مارس/ آذار 1919. والده جبرائيل حنا توما، ووالدته ماري حبيب خوري، ولم تعرف عائلته الحيفاوية وطنا آخر.
تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة الطائفة الأرثوذكسية في حيفا وأتم دراسته الثانوية في سنة 1937 في مدرسة المطران جوبات التبشيرية الإنكليزية الداخلية في القدس التي كانت تعرف بكلية صهيون لوقوعها على جبل صهيون. وأثناء دراسته الثانوية انجذب الى النشاطات الطلابية الوطنية والى المفاهيم التقدمية الإنسانية وعبرها الى الحركة الشيوعية، متأثرا بالمد الثوري للحركة الوطنية الفلسطينية وبأستاذ اللغة العربية في المدرسة الأديب التقدمي رئيف خوري وزميله الصحافي الشيوعي عبد الله بندك. ثم التحق بجامعة كيمبريدج للحقوق في بريطانيا سنة 1937، وفي نيسان 1939 شارك ممثلا لرابطة الطلبة العرب في فلسطين في المؤتمر الدولي للطلاب الذي عقد في باريس. وحال اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/ أيلول 1939، دون سفره إلى بريطانيا لمتابعة دراسته الجامعية، وفي أواخر 1939 انضم لصفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني السري، وعمل بين الطلاب والمثقفين. وكان مع رفيقه توفيق طوبي من مؤسسي نادي شعاع الأمل في أواسط 1942 وانتقلا بواسطته للعمل بين جماهير العمال والحركة النقابية المنتعشة في سنوات الحرب وكان من العاملين على ظهور اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب في نوفمبر/ تشرين الثاني 1942 الذي ضم عشرات آلاف العمال العرب.

مع توفيق طوبي وإميل حبيبي

في أيلول 1943 بادر مع عدد من رفاقه وبينهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وبولس فرح الى تأسيس عصبة التحرر الوطني وانتخب إميل توما أمين سر العصبة. في 14 مايو/ ايار 1944 أصدر «اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب» في حيفا جريدة «الاتحاد» الأسبوعية، لسان حال العمال العرب في فلسطين، وكان إميل توما صاحبها الرسمي ومحررها المسؤول.
واحتل إميل توما مكانا بارزا في الحركة الوطنية الفلسطينية وعمل مع رفاقه في عصبة التحرر الوطني على تدعيم التيار الوطني الديمقراطي في الحركة الوطنية الفلسطينية وخاصة بين المثقفين والطبقة العاملة. وشارك مندوبا عن عصبة التحرر الوطني في مؤتمر الأحزاب الشيوعية في بلدان الإمبراطورية البريطانية في عام 1947 في لندن.
وقال عضو الكنيست الأسبق عصام خوري رئيس معهد «إميل توما» في حيفا أن الاحتفالية بهذه المئوية فرصة لها للتعرف على تراث اميل توما مؤرخ القضية الفلسطينية الذي صدرت مساهماته في 15 كتابا تناولت أهم القضايا التي ما زالت فاعلة ومؤثرة في حياة الفلسطينيين.
وأوضح لـ «القدس العربي» أن فعاليات المئوية هذه تأتي بالتعاون بين معهد اميل توما في حيفا ووزارة الثقافة الفلسطينية، وتتواصل نشاطات المئوية بعد الانطلاقة في حيفا حتى شهر آذار/مارس المقبل باحتفاليات أخرى في مختلف أنحاء البلاد وفي مختلف أنحاء وجود الشعب الفلسطيني الذي كرس توما لقضيته جلّ حياته ونضاله ودراساته، تشمل الجليل والمثلث والنقب، وكذلك الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وصولا الى أحد مخيمات اللجوء، في ارتحال عابر للحدود لملامسة ميراثه الكبير وتراثه الثوري والاطلاع على عطاء هذا القائد المعلم والمفكر المعطاء الذي دمج بين الفكر والممارسة بشكل عضوي، معتبرا أن من عظمة اميل توما أنه تمكن منذ مطلع شبابه، بحسه الثوري وثقافته الشاملة ومستنيرا بنظرية الفهم المادي للتاريخ من التقاط الواقع بأعقد صوره وتطويعه وتشريحه وتحليله وعرضه على عامة الشعب مرفقا بالتوجيه الصحيح، وتحويل الفكرة والتحليل العلمي الى قوة سياسية، والى برنامج كفاحي واضح المعالم للتغيير الثوري تدركه وتقتنع به جماهير العمال والفلاحين وعامة الشعب، يدغدغ آمالها ويحفزها على النضال لتحقيق طموحاتها التحررية.
وتابع مخول «من المفارقات أن يكون عام 1919 هو عام ولادة القائد الوطني والشيوعي الكبير إميل توما في حيفا، وهو الذي سيلعب لاحقا دورا قياديا بارزا ومتميزا على مستوى الحركتين الوطنية الفلسطينية والشيوعية في فلسطين على مدار عشرات السنين».
واعتبر أن التاريخ يسجل لإميل توما أنه اقتحم الواقع المعقد والمؤامرات الدولية الهائلة على مستقبل شعبه الفلسطيني وعلى وطنه فلسطين مع مجموعة من رفاقه الرواد الشباب أبرزهم توفيق طوبي وإميل حبيبي وفؤاد نصار ومعهم الشيوعي القديم بولس فرح ليبنوا المؤسسات وآليات الكفاح الوطني، لتكون بديلا عن آليات السياسة التقليدية المتماشية مع نهج القيادة التقليدية المهادنة للرجعية العربية والمسايرة لحساباتها، وانعكس ذلك في تأسيس عصبة التحرر الوطني، وقبلها تأسيس نادي شعاع الأمل في حيفا، والنقابات المستقلة، وإصدار جريدة الاتحاد في 14 أيار 1944، التي كان اميل توما رئيس تحريرها الأول ومحررها المسؤول بالتتالي مع توفيق طوبي.وهي الجريدة التي ما زالت تصدر في حيفا حتى اليوم كجريدة يومية وحيدة ناطقة بلسان الحزب الشيوعي الإسرائيلي باللغة العربية في إسرائيل ومع كونها شيوعية فقد صدر عددها الأول عام 1944 ، وقد ازدان صدر صفحتها الأولى بآية قرآنية « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ».
وقال مخول إن هؤلاء الشيوعيين الشباب حولوا جريدة « الاتحاد « ومن بعدها مجلة الجديد ومجلة الغد للشباب ومجلة الدرب ومختلف المؤسسات الثقافية، لتكون الحاضنة الوطنية الأساسية لبلورة الفكر السياسي والثقافة الوطنية والاجتماعية للأقلية القومية التي بقيت في وطنها بعد نكبة الشعب الفلسطيني.
كما قال إنها كانت ولادة أدب المقاومة والصمود وولادة شعراء المقاومة وأدبائها وولادة ثقافة الكف التي تلاطم مخرز الظلم والاضطهاد القومي، وفتحت النوافذ والأبواب على مصاريعها على الثقافة التقدمية العالمية والفكر الأممي المقاوم للعنصرية في كل مكان، وانتقلت بالأقلية القومية الفلسطينية الباقية في وطنها من نفسية النكبة الى نفسية المواجهة والصمود. وتابع مخول «إن إقصاء إميل توما عن مواقع القيادة العليا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي حتى أواسط ستينيات القرن الماضي لم يكن مبررا، وقد يحتاج كلمة يقولها الحزب في مناسبة مرور قرن على ولادة اميل توما في تزامن مع مرور قرن على نشوء الحركة الشيوعية في البلاد».

إميل توما والعصبة وقرار التقسيم

كان إميل توما أبرز قادة عصبة التحرر الوطني الذين عارضوا قرار التقسيم في 29 نوفمبر/ تشرين الأول 1947، وهو القائد الوحيد في العصبة الذي عارض قرار التقسيم من دون ان يعتكف عن العمل السياسي الجماهيري الوطني والشيوعي مستقبلا كما فعل آخرون.
وفي مقابلة أجراها معه في حيفا موسى البديري الباحث في تاريخ الحركة الشيوعية والحركة العمالية في فلسطين في 3 نيسان 1974، يذكر إميل توما ردا على سؤال: «لم أشارك في أي من الاجتماعين اللذين أجرتهما عصبة التحرر الوطني في مدينة الناصرة. وأذكر انه في اليوم الذي اتخذ فيه قرار التقسيم سافرت الى القدس برفقة الرفيق توفيق طوبي لاجتماع سكرتارية العصبة، وكنت العضو الوحيد الذي عارض التقسيم… وقد فضلت عدم الاشتراك في اجتماع الناصرة».

محمد بركة

وفي كلمته قال محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا داخل أراضي 48 ورفيق الراحل توما في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إنه في مثل هذا المقام الجاد يتحدث عن توما الإنسان مذكرا بأنه عمل معه ويتذكر انه كيف كان يرفض التفريق بين مشغل وعامل وموظف حتى حدد لنا نظاما صارما في جلي الصحون بعد تناول الغداء في المكتب في حيفا، وكان يصر على أن اليوم دوره وصمم على ذلك حتى بعدما مرض إلى أن رحل في 1985.
وتابع «هناك أمور كثيرة حول توما لكن اكتفي بالقول إنه كان مؤرخا ومحررا صحافيا وباحثا وسياسيا نشيطا ولعب دورا مركزيا في تأسيس لجنة الدفاع عن الأرض. كان حارسا للثقافة الفلسطينية بعد النكبة، حاضنا للمثقفين وذلك من خلال كونه ناقدا للإنتاج الأدبي ومحررا لمجلة «الجديد» طيلة سنوات».
كذلك أشار الى كونه حريصا على أن ينحصر عمله في العمل المكتبي بل هو الأكثر حراكا وتنقلا بين فروع الحزب الشيوعي لأنه شعر بالمسؤولية في مجال التعبئة والتثقيف خاصة في ظل جدالات ضارية بين تيارات فكرية أخرى قومية ووطنية ولم يكن هناك انقطاع.
وهذا ما أكده الفنان أديب جهشان لـ «القدس العربي»، لافتا إلى أن إميل توما كان من أبرز الداعمين لأول مسرح عربي في مدينة حيفا الا وهو «المسرح الناهض» الذي نشط وتألق في مدينة حيفا وكل أنحاء البلاد بعد تأسيسه سنة 1967 وازدهاره في سنوات السبعينيات حتى عام 1977 حيث أغلق بسبب انعدام الدعم المالي للمسرح . موضحا أن الراحل برز كعضو فعال في المجلس الشعبي للمسرح الذي ضم خيرة المثقفين في الداخل أمثال حنا ابو حنا ،القس نعيم عتيق والشاعر الراحل عصام العباسي وغيرهم.
وتابع» التحم الدكتور إميل توما بهذا الركب لأنه كان يعشق الفن والأدب إضافة الى عمله في مجال السياسة عالميا ومحليا».

 وديع عواودة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*