الرئيسية / home slide / اجتياز “خطوطٍ حمرٍ” نووية يدفع أوروبا الى التحرّك

اجتياز “خطوطٍ حمرٍ” نووية يدفع أوروبا الى التحرّك

رفع أعلام الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان البريطاني في لندن (أ ف ب).

أظهرت الولايات المتحدة، استناداً الى باحثيْن مهمّيْن في مركز أبحاث أميركي مطلّع جداً ولديه القدرة على الوصول الى المصادر الفعلية للمعلومات، خلال السنة المنصرمة وما انقضى من السنة الجارية عدم رغبة في تخفيف ضغطها على إيران. كما أن الأخيرة لم تظهر أيّ إشارة ولو صغيرة الى استعدادها للرضوخ الى هذا الضغط. فالدولتان لا تزالان متباعدتين كثيراً في موقفيهما من البرنامج النووي لإيران كما من برنامجها الصاروخي الباليستي واستراتيجيتها الاقليمية. إذ أن الأولى لم تظهر اهتماماً بالتراجع عن مطالبها في حين أن الثانية أظهرت اهتماماً ضئيلاً بتوسيع إطار المحادثات في حال استئنافها مع واشنطن، وتمسّكاً بأولوية البحث في تخفيف العقوبات عليها في أي مفاوضات مقبلة. وأظهر ذلك طبعاً أن مزيداً من التدهور في الشرق الأوسط ليس مستبعداً. وقد أثبتت ذلك تطورات الأشهر المنقضية على وضع الباحثيْن المذكوريْن تقريرهما.

ماذا تفعل أوروبا في هذه الأثناء؟ تأمل فرنسا وبريطانيا وألمانيا في أن يمنع إطلاق آليّة فضّ النزاع التي تضمنها “الاتفاق النووي” طهران من “توسيع” برنامجها النووي. لكن نجاح ذلك سيكون موقتاً إذا تحقّق بسبب استمرار العقوبات الأميركية وزيادتها، الأمر الذي سيدفع إيران الى متابعة اتخاذ خطوات عدائية “نووية” رغم محاولات الكتلة الأوروبية المذكورة إقناعها بعدم الاقدام على ذلك. وإذ امتنعت الأخيرة عن إطلاق آلية فض النزاعات فإن واشنطن ستجد طريقة لإعادة فرض العقوبات كلها عليها التي تنتهي مبدئياً في تشرين الأول المقبل، إذا لم تقدم أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن على طلب تجديدها. علماً أن ذلك قد لا يكون سهلاً في ظل الخلافات الحالية الحادّة بين أميركا والصين والاختلافات المهمة بين أميركا وروسيا. كما أنها أي واشنطن ستضغط على الكتلة الأوروبية لانتهاج سياسة أقسى تجاه إيران التي لا يُحتمل أبداً تزحزحها عن موقفها المتشدّد قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل. ومن شأن ذلك جعل التدهور بين واشنطن وطهران حتمياً والإفساح في المجال أمام نشوب أزمة تؤدي الى مواجهة عسكرية محدودة. وقد حصل ذلك قبل أسابيع وبلغ ذروته في حصار وكلاء إيران في العراق سفارة أميركا في بغداد وفي رد الأخيرة بقتل الحاج قاسم سليماني بعدما خشيت تكرار ما حصل لسفارتها وديبلوماسييها في طهران قبل نحو 40 سنة. ما تريده واشنطن من طهران لن تستطيع الأخيرة قبوله في المرحلة الحالية على الأقل وهو: وقف إيران دعمها لوكلائها أي الذين تحارب بواسطتهم في الشرق الأوسط، وإنهاء برنامجها للتخصيب النووي لأغراض سلمية وقبول قيودٍ هامة على برنامجها الصاروخي الباليستي، والسبب أنه يشكّل هزيمة لها أو على الأقل تراجعاً كاملاً. علماً أنها تعتبر ما تقوم به ضرورياً لتعزيز دفاعها العسكري وخصوصاً الجوي ولتأسيس اقتصاد مقاوم للعقوبات الاقتصادية، كما لتأمين موارد مالية لها من عمليات تهريب الأسلحة وبيعها. طبعاً لم تنجح إيران في إقناع أميركا ترامب بالتخفيف منها. وعلى العكس من ذلك فإن التظاهرات الحاشدة التي سارت في طهران ومدن أخرى أكثر من مرة في الأشهر الماضية جعلت الإدارة الأميركية تقتنع بأن ضغطها الكبير فعل فعله وسيستمر على هذا النحو وسيحقّق النتائج المرجوة. وذلك مسألة وقت فقط، علماً أن ذلك كله لم يزحزح طهران، فقمعت التظاهرات ومكّنت المحافظين المؤيّدين لها من السيطرة انتخابياً على مجلس الشورى. كما أنها ستمكّن واحداً منهم في الوصول الى رئاسة الجمهورية السنة المقبلة خلفاً للإصلاحي روحاني. في ظل هذا الواقع تجد الكتلة الأوروبية الثلاثية نفسها وسط دوامة الضغط المتبادلة. فهي من جهة تشارك أميركا قلقها من علاقات إيران الميليشيات الاقليمية وبرنامجها الصاروخي ونشاطاتها النووية. وقد أظهرت فرنسا خصوصاً إرادة للاصطفاف مع الولايات المتحدة في موقفها من البرنامج الصاروخي، في حين أظهرت بريطانيا ذعراً من التهديد الأميركي للملاحة في الخليج. لكن الاثنتين نظرتا ولا تزالان تنظران الى “الاتفاق النووي” باعتباره الإطار الأمثل الذي يمكن من خلاله إيقاف إيران عن متابعة مسار التطوّر النووي. كما أنهما تؤمنان بأن خطر توسّع المسار هذا يفوق أخطار الميليشيات والصواريخ المشار إليها. وهما تعتقدان أن العقوبات الدراماتيكية يجب الاحتفاظ بها لمواجهة الموضوع النووي باعتبار أن الموضوعين الآخرين المذكورين أعلاه تمكن معالجتهما من خلال المفاوضات. في أي حال ستحاول الثلاثية الأوروبية “جرجرة” هذه الأمور الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية لمعرفة إذا كانت الإدارة في واشنطن ستتغيّر أم لا. إذ أن التغيير لا بد أن يفتح على الأرجح طريق البحث التفاوضي في الحلول وعنها مع إيران من جديد. وما تخاف منه هو أن إيران التي تقترب من تأمين مخزون من الأورانيوم المخصّب وإن بنسبة 5 في المئة، قد تبادر إذ بقيت أبواب أميركا وأُذُنا رئيسها الحالي أو الجديد مقفلة الى رفع نسبة التخصيب فتصبح قادرة على صنع أول سلاح نووي. ورغم ذلك كله ترى الثلاثية الأوروبية نفسها “خطوطاً حمراً” ستسعى جاهدة لعدم تخطّيها ولا سيما إذا تابعت إيران التقدم في برنامجها النووي. ويعني ذلك تسريعها تنفيذ آلية فض النزاعات التي يتضمنها الاتفاق النووي. وإذا انسحبت إيران من البروتوكول النووي الإضافي أو من معاهدة حظر الانتشار النووي فإن الثلاثية ستكون مستعدة للعودة الى أقسى العقوبات وأشدّها. أما إذا رفعت نسبة التخصيب الى 20 في المئة فإنها ستذهب في التشدّد الى أقصى حد.

في أي حال ترى “الثلاثية ” نفسها أنه من غير المحتمل أن تتخطّى إيران خطوطها الحمر. لكن في حال فعلت فإنها ستطلب من مجلس الأمن تجديد العقوبات التي ستنتهي مدتها في تشرين الأول المقبل. وهي تستبعد أن تبادر روسيا والصين الى ممارسة حق النقض أي “الفيتو” للحؤول دون ذلك لأنّ فيه خطراً كبيراً على المنطقة وعلى أدوار الكبار فيها وربما أكبر على المجاورين منهم لها جغرافياً. وفي هذا المجال فإنها لا تستبعد أن تقدّم الولايات المتحدة – وخصوصاً في حال إخفاق ترامب في الفوز بولاية رئاسية ثانية – برئاسة منافسه الديموقراطي جو بايدن على استعادة عضويتها في “الاتفاق النووي”، وبذلك يصبح لها حق مباشر في طلب تجديد فرض العقوبات المنتهية مدتها عليها.

sarkis.naoum@annahar.com.lb