الرئيسية / home slide / اجتماع أواخر 2003 بين الأسد والحريري فتح باب الاغتيال

اجتماع أواخر 2003 بين الأسد والحريري فتح باب الاغتيال

تدهور العلاقة مع الرئيس السوري أدى إلى تفجير موكب رئيس الوزراء اللبناني.

بداية النهاية

خيرالله خيرالله
صحيفة العرب
06092020

وضع تفجير بيروت وتحويلها إلى مدينة منكوبة مسمارا أخيرا في نعش المدينة التي حاول رفيق الحريري إعادة الحياة إليها ونجح في ذلك بعد إعادة تعمير وسطها. لم يستمر نجاح رفيق الحريري طويلا. قضى اغتياله في العام 2005 على الفكرة التي اسمها بيروت، قضى عمليا على لبنان.

ما حدث يوم الثلاثاء الواقع فيه الرابع من آب – أغسطس 2020 من انفجار ضخم ليس سوى استكمال لعملية ممنهجة تصبّ في تدمير المدينة انطلاقا من المكان الذي كان أحد أسباب ازدهارها، أي من ميناء بيروت.

كان هدف رفيق الحريري إعادة بيروت إلى ما كانت عليه في الماضي، أي مدينة لبنانية – عربيّة – أوروبية – دولية منفتحة على كلّ ما هو حضاري في العالم. قاومت بيروت طويلا قبل سقوطها بالضربة القاضية في الرابع من آب – أغسطس 2020.

معروف من يقف وراء جريمة تدمير بيروت. ستكشف ذلك المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي يفترض أن تصدر، من لاهاي، حكمها في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه في الثامن عشر من الشهر الجاري. ستسمّي المحكمة الأشخاص الذين نفّذوا الجريمة والذين ينتمون إلى “حزب الله”، الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني.

ثمّة من يقول إنّها ستذهب إلى أبعد من ذلك وستسمّي الذين كانوا يوجهون المجموعة التي تولت تفجير موكب رفيق الحريري في 14 شباط – فبراير 2005  في مكان لا يبعد كثيرا عن مكان الانفجار الكبير الذي قضى على بيروت.

لم يعد سرّا من اغتال رفيق الحريري، كذلك ليس سرّا من حرّض على ذلك ولماذا يمكن إدراج الجريمة في إطار أوسع يتجاوز لبنان. لكن ما يبدو ضروريا الإضاءة عليه هو مقدمات اغتيال رفيق الحريري الذي لم يستطع العمل بحرّية سوى بين العامين 1992 و1998.

في العام 1992، شكّل رفيق الحريري حكومته الأولى وبدأت عمليا ورشة البناء والإعمار بالترافق مع تثبيت سعر الليرة. عاد العرب إلى لبنان وعاد لبنان إلى العرب.. عاد إلى البلد لبنانيون كان هجرّهم ميشال عون في الأعوام 1988 و1989 و1990.

الأسد معاد للحريري

في العام 1998، مع انتخاب إميل لحّود رئيسا للجمهورية، بدأت الحرب السورية تقوى على رفيق الحريري. ما حصل في تلك السنة أنّ بشّار الأسد صار يمسك بمفاصل السلطة في سوريا في ضوء مرض والده.

كان بشّار في طبيعته معاديا لشخص رفيق الحريري وكان يتأثّر إلى حد كبير بـ”حزب الله” والعداء الذي كان يكنّه مع آخرين لرفيق الحريري، وهو عداء يعود في أساسه إلى ارتباط الحزب بالمشروع التوسّعي الإيراني. يعني هذا المشروع بين ما يعنيه التخلّص من أيّ شخصية لبنانية تمتلك حيثية عربيّة ودولية.

أمضى إميل لحّود ولايته في قصر بعبدا في حرب على رفيق الحريري الذي عرف كيف يكوّن قاعدة شعبية من جهة ويتحوّل إلى زعيم وطني لبناني خارق للطوائف من جهة أخرى.

انتقل النظام السوري في النصف الثاني من العام 2003، بعد سقوط العراق والشروط الأميركية التي حملها كولن باول وزير الخارجية الأميركي وقتذاك إلى بشّار الأسد، إلى حرب مباشرة على رفيق الحريري.

صار النظام السوري خائفا من هاجس اسمه رفيق الحريري الذي وقف صراحة ضد تمديد ولاية إميل لحّود التي كان مفترضا أن تنتهي في 2004. بدأ بشّار الأسد يشعر، على الرغم من كلّ تطمينات رفيق الحريري، أنّ لبنان بدأ يفلت منه.

قبل أشهر قليلة من صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي تضمّن دعوة إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان وإلى حل ميليشيا “حزب الله”، أسوة بالميليشيات اللبنانية الأخرى التي سلّمت سلاحها إلى الدولة اللبنانية أو أرسلتها إلى خارج لبنان، هناك جلسة مهمّة حصلت بين بشّار الأسد ورفيق الحريري.

استُدعي رفيق الحريري إلى دمشق في كانون الأوّل – ديسمبر 2003. وجد نفسه مع الرئيس السوري وثلاثة ضباط هم غازي كنعان، الذي كان مسؤولا عن لبنان قبل استبداله، ورستم غزالة الذي حلّ مكانه، ومحمّد خلّوف الذي كان يشغل موقع المسؤول عن المراقبين السوريين في لبنان.

أصرّ بشار الأسد على التعاطي بفظاظة ليس بعدها فظاظة وقلّة تهذيب مع رفيق الحريري. ذهب إلى وصفه بـ”العميل”. سأله: كم عدد أيام الأسبوع التي تعمل فيها ضدّي وكم عدد الأيام التي تعمل فيها معي؟ طلب منه بلغة الأمر بيع أسهمه بجريدة “النهار” (نحو 36 بالمئة من أسهم الجريدة)، عدم التطرّق من قريب أو بعبد إلى ملفّ “بنك المدينة”، وهو مصرف مشبوه ارتبط بماهر الأسد والمجموعة القريبة منه وتورط في تبييض الأموال، والتوقف عن انتقاد التمديد لإميل لحود. أبلغ رفيق الحريري أصدقاء له أن بشّار الأسد قال له حرفيا: ورقة التمديد لإميل لحّود ورقة في يدي. هل تريد أن تحرق هذه الورقة، أي أن تحرق أصابعي؟

التخلّص من الحريري

ارتفع ضغط رفيق الحريري وبدأ ينزف من أنفه. عاد إلى بيروت مكسور الخاطر. عرف يومذاك أن العلاقة انكسرت نهائيا مع النظام السوري وأن بشّار الأسد ليس حافظ الأسد.

كان طبيعيا أن تصل الأمور إلى التخلّص من رفيق الحريري في مرحلة لاحقة، خصوصا بعدما شعرت إيران أن الأميركيين سلموها العراق على صحن من فضّة وأنّه بات في استطاعتها أن تفعل ما يشاء في المنطقة من دون حسيب أو رقيب.

كان بشّار الأسد مجرّد غطاء استخدم في عملية تغطية الجريمة. دفعه حقده على رفيق الحريري وعلى لبنان الذي كان يصفه بالبلد “الهش” إلى ارتكاب خطأ أخرجه من لبنان..

في حال لم يطرأ تغيير في اللحظة الأخيرة، سيصدر حكم المحكمة الدولية يوم الجمعة. هكذا يُفترض. بعد خمسة عشر عاما ونصف العام على اغتيال رفيق الحريري، يظلّ السؤال لماذا ارتكب بشّار الأسد ذلك الخطأ الذي كلّف سوريا ولبنان غاليا. كلّفهما الكثير. مصير البلدين على المحكّ. هناك عبارة شهيرة لجوزيف فوشي أحد وزراء الداخلية في عهد نابوليون. قال فوشي تعليقا على إعدام معارض لنابوليون كان لاجئا في ألمانيا بدل التحقيق معه للحصول على معلومات معيّنة منه “ما حصل كان أسوأ من جريمة، إنّه خطأ”. كم كلّف هذا الخطأ النظام السوري، وسوريا نفسها، غاليا… كم كلّف لبنان واللبنانيين؟