اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / اثيوبية الطُّرُقات

اثيوبية الطُّرُقات

26-01-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

العلم اللبناني (تعبيرية – نبيل إسماعيل).

“عقل المتعصب كحدقة العين، كلما تعرّضت لمزيد من النور، زاد انقباضها”
-اوليفر وندل هولمز

طلب إليَّ الزميل أنطوان سعد أن أكون البادىء في سلسلة محاضرات بعنوان “جيل الندوة ال#لبنانية”. أي ليس الجيل المؤسس، من روّاد الفكر والحرية و#الثقافة الكبرى وقيم الإنسان، وإنما الجيل التالي، الذي كان يذهب الى “دار الندوة” بسيطاً ومتحمساً، لكي يفاخر ذات يوم بأنه كان يصغي مرة في الاسبوع، على نحو طقوسي، وفي شغف، الى رجال مثل كمال جنبلاط، وتقيّ الدين الصلح، وصائب سلام، وغسان تويني، وشارل مالك، ويوحنا مارون، وفؤاد عمّون، وشولوخوف (هادئاً ينساب نهر الدون)، وناظم حكمت، والأب بيار، وصلاح حيدر، وسلسلة طويلة مذهَّبة من اهل الفكر.

في تلك السلسلة النادرة في العالم العربي، برز اسمان بين أهل الإنسانية، ليس كمحاضرَين أو مفكّرَين، بل كقائدَين من قادة التحرر في العالم الثالث: الامام موسى الصدر، مؤسس “حركة المحرومين”، والرئيس السنغالي ليوبولد سدار سنغور، شاعر الزنوجة وقمر القارة السمراء.

لقيَ سنغور ما يلقاه في باريس أو الداهومي. رفاق في قضيته، وزملاء في علو ثقافته وآدابه، وحماسيون صادقون لقضيته، التي كانت آنذاك أهمّ وأصدق وأعمق قضايا التاريخ. المرحلة الأخيرة في إعتاق عبيد الرجل الأبيض. كانت العنصرية تلفظ أنفاسها الكريهة، في آخر معاقلها.

لعبت الديبلوماسية اللبنانية والصحافة دوراً يتجاوز بكثير حجم لبنان، في الحرب على العنصرية، واحتل لبنان مكاناً مرموقاً في التكتل الآسيوي الافريقي وكتلة عدم الانحياز، وسائر التجمعات القائمة آنذاك. وكان لبنان يعامل احداث التحرر وكأنها وقعت في بيروت: اغتيال مارتن لوثر كينغ، والقضية الفلسطينية. وكانت دور السينما التي من الدرجة الأولى، أو الثانية، تمتلىء حتى ابوابها، إذا كان الفيلم يحكي قصة طفل مظلوم مثل “ابن حرام”، أو فتاة هندية مثل “مانغالا ابنة الهند”. ولم يلتفت الألوف الذين دخلوا سينما هوليوود، مرة، الى ان مانغالا شديدة السمرة.

كان اللبنانيون يشبهون لبنان، أو هو يشبههم. وبصرف النظر عن مدى الصدق أو الادّعاء، فقد كان اللبناني يخجل من ان يقف الى جانب الدول أو الجماعات العنصرية. فهو، على صغره، من واضعي شرعة حقوق الإنسان، ورئيس (شارل مالك) للجمعية العمومية للأمم المتحدة، وعضو مؤسس ولامع في الفرنكوفونية التي تضم نصف افريقيا. وهو قبل ذلك بلد عشرات آلاف المهاجرين الذين ساهموا في بناء افريقيا، المستَعْمَرة والمستقلة على السواء.

ما الذي يحمل إذن، العام 2022، صاحبة توقيع نسوي، حقيقياً أو مزوراً، لا فرق، على القول انه إذا وقفت داليا أحمد على الطريق، لا يمكن التمييز بينها وبين الاثيوبيات؟ لاحظ كم كره هناك في سطرين: لون داليا احمد. ولون الاثيوبيات. والحكم عليهنَّ جميعاً بممارسة الدعارة.

هذا ليس تعبيراً عن حالة فردية أو حزبية أو فئوية. هذا تعبير عن حالة مرضية عامة ضربت لبنان منذ سنوات. فهو بين الدول التي فقدت الكثير من الحسّ الإنساني، واللبنانيون بين اسوأ الشعوب في معاملة العمال والخدم. والذين منهم دافعوا عن مذيعة “الجديد”، استنكروا ذلك على اساس انها لبنانية. والحال يجب استنكار السلوك الهمجي لأنها ضيفة ومن دولة شقيقة. أما كلبنانية، فسوف تفقد الكثير من الحقوق، وسوف تتساوى مع سائرالسكان، في الحرمان من كل حقوق البشر، مع أنها جاءت هذا البلد في الشهر الخامس من عمرها.

عندما أُسِّست قناة “العربية” قبل عقدين، كنت بين العاملين فيها. وكان أول اقتراح تقدمت به، التعاقد مع داليا احمد. الاسباب والميزات: تدربت في “الجديد”. اللغة العربية الممتازة. المظهر التلفزيوني، واولاً ايضاً، ان ثلث العرب على الاقل من اصول افريقية.

يذهب اللبناني الى اميركا وبريطانيا ويبدأ فور وصوله المطالبة بالجنسية. وبعد ربع قرن من اطلاع اللبنانيين على اخبارهم واحوالهم واهوالهم، تصبح سيدة في لحظة اثيوبية الطرقات. قبل ان نعيد النظر في النظام، يجب اعادة النظر في المستوى الانساني الذي وصلنا إليه. في الاضطهاد الوحشي الهمجي السائد في سجون النساء. وفي اللامبالاة الهمجية البربرية التي يعامل بها السجناء الرجال وسجونهم. ولست اعرف عن دولة أخرى، بين دول “القانون” تقبل على نفسها وحكومتها وشعبها، مثل هذه الصور التي تخرج من سجوننا!

رجاء، لا تقل هناك اولويات. طبعاً هناك اولويات. هناك الخبز، والكهرباء، والمدارس، والتلوث المرعب، والمازوت، والدواء، واسعار الخضار، ومفاوضات صندوق النقد، والتدفئة، والموت جوعاً أو برداً، وحليب الاطفال، والبنزين، والحفاضات (شرط ان تُرفق ببودرة الالتهاب الحوضي)، والرفوف الفارغة في المخازن (المنفّقة)، ولا ادري من اين دخلت كلمة (نفّقنا) على اللغا اللبنانيي. فالذي ينفق في الفصحى هو “الحيوان”.

تروي دوريس ليسنغ (نوبل 2007) حكاية ثور هائج في بلدها الأم، زيمبابوي، قتل أشخاصا عدة، وأصر صاحبه على اعدامه، واستدعى فرقة تنفّذ الحكم رمياً بالرصاص. تتساءل: من هو الحيوان في هذه الحال؟ صاحب العقل أم صاحب القرنين؟ هل كان ذلك بسبب محدودية مستعمِر جاهل؟ لا. تروي ليسنغ ايضاً “في نهاية الحرب الثانية حُكم على شجرة معيّنة بالاعدام، إذ جرى الربط بين الشجرة والماريشال بيتان، وعندما أشين بيتان بتهمة الخيانة، حُكم على الشجرة بكل جدية، واعدِمت بتهمة التعاون مع العدو”.

هل تمنع كل هذه الاولويات ان يكون خطاب اللبنانيين في ما بينهم أو مع الغرباء، خطاباً بشرياً؟ وهل أننا أُصِبنا لحظة واحدة بالأولويات بحيث تصبح الوحشية الهمجية في سجون النساء، ترفاً يستطيع الانتظار؟

أقرت الأمم المتحدة اقتراحاً من رئيس الجمهورية بأن تصبح بيروت مركز الحوار العالمي. وفي الآونة الأخيرة دعا الى حوار وطني في قصر بعبدا. ثم جاءت حادثة داليا احمد، فتساءل الناس بأي لغة سيكون هذا الحوار؟ أمّا بأي لهجة وبأي إمرة. فقد حددها الفتى صاحب الجمهورية وواليها: بمن حضر!

أنت بين خيارين: احدهما الخيار الذي اتخذه تمام سلام. وهو الزهق والقرف واليأس من أي أمل، وبالتالي، الانسحاب من زحمة الغوغائيات والابتعاد عن مشهد الاحتضار الوطني، وعدم اعطاء “توقيعه” للعابثين بآخر معاني المصير. الخيار الآخر، أن يتذكر ان لبنان لن يبقى في هذه القبضة المزيفة العابرة، بل سوف يعود “لبنان واحد لا لبنانان” وبلد “لا غالب فيه ولا مغلوب”.

ليس جائزاً لتمام سلام ان يترك سحابة قرنين من إرث العمل المتواصل في سبيل بيروت للذين زرعوا فيها العتم والظلام وظلال المجاعة الكبرى.

من جيل “الندوة اللبنانية” الى جيل اثيوبية الطرقات. ايام جيلنا كان هناك سيدة تكتب الشعر وتوقّع باسم مستعار هو جوزفين بيكر. وجوزفين بيكر مغنية وراقصة فرنسية من اصل اميركي، انضمت الى المقاومة الفرنسية وتوّجها الفرنسيون لكي يتذكروا بسمرتها: لسنا عنصريين.