اتهام عون بخرق الدستور: الآليات واضحة فلمَ لا يتم اللجوء اليها؟

عبّاس الصباغ
النهار
26102018

انتقاد الرئيس فؤاد السنيورة ما وصفه بـ”المخالفات الدستورية التي يقوم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون”، يشكل سابقة في توجيه مثل هذا الاتهام الى الشخص الوحيد الذي يقسم على الدستور قبل تسلمه مسؤولياته، ويرتب في حال جديته ضرورة محاكمة الرئيس امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

لم يسبق منذ فترة طويلة أن وجه رئيس حكومة، حالي او سابق، اتهاماً لرئيس الجمهورية بمخالفات دستورية، سواء كان ذلك من باب الانتقاد السياسي بسبب التباين في موضوع معين، أو لتسجيل موقف سياسي.

ولكن عدم نفي السنيورة الحديث المنسوب اليه ومن ثم الرد من وزير العدل في حكومة تصريف الاعمال سليم جريصاتي، علماً ان رده كان من موقعه الطبيعي لتفنيد فحوى الانتقاد، وادلى بدلوه للتصدي لمسألة فائقة الحساسية، ولاحقاً السجال بينهما في شأن “خطورة اتهام رئيس الجمهورية بخرق الدستور”، يطرح اسئلة عدة أبرزها مدى جدية الاتهامات الموجهة الى رئيس الجمهورية. وفي حال جديتها، أليس من الطبيعي ان يتم اللجوء الى الدستور ما دام الحديث عن خرقه او تجاوزه؟

فالدستور اللبناني فيه نصوص عن المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وبعضها ورد في المواد 60 و61 و70 و71 و80. لكنّ هناك نصوصا تؤكد عدم مسؤولية الرئيس خلال ممارسته واجباته، إلا أن هذه اللامسؤولية التي يفيد منها رئيس الجمهورية تزول تماماً في حال خرقه الدستور بحسب بعض الخبراء الدستوريين.

والواقع أن خرق الدستور يعني أن هناك مخالفة جسيمة، قد ينتج منها ضرر بالغ بالمصلحة العامة، وهو ما يستوجب محاكمة الرئيس امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وفق الدستور.

وصلاحية ذلك المجلس الأساسية تكمن في محاكمة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء بالجرائم المسندة إليهم.

المطالبة بحصة… خرق للدستور!

يأخذ السنيورة على عون “محاولته فرض اعراف جديدة لا سيما عند تأليف الحكومة، وممارسات تقيّد صلاحيات رئيس الحكومة، بحسب الدستور اللبناني، لمصلحة رئيس الجمهورية”.

تفهم اوساط مواكبة لعملية التأليف ذلك الموقف وكأنه يشير الى ان رئيس الجمهورية هو من يضع الشروط على الرئيس المكلف، وبالتالي يشاركه في صلاحيات دستورية منوطة حصراً بشخص الرئيس المكلف. وتعطي أمثلة كثيرة تؤكد عدم المس بصلاحيات الرئيس المكلف.

أما عن فرض أعراف جديدة، وربما المقصود به تكريس حصة وزارية لرئيس الجمهورية، فإن تك الاوساط تذكر ان كل رؤساء الجمهورية بعد الطائف كانت لهم حصص وزارية في الحكومات المتعاقبة، بدءاً من عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي وصولاً الى عهد الرئيس ميشال سليمان مروراً بعهد الرئيس اميل لحود.

وعليه، لم يطلب عون شيئاً جديداً وغير متعارف عليه، وليس في تصرفه أي خرق للدستور او مس باتفاق الطائف.

واذا كان ذلك عرفاً تكرس مع ثلاثة عهود رئاسية (بينها عهدان استمر كل واحد منهما 9 سنوات )، فهل يكون الرئيس الحالي هو الذي كرسه مع مفارقة لا يمكن تجاوزها وتكمن في ان الرئيس عون يتمتع بقاعدة شعبية ويحظى بدعم كتلة نيابية وازنة حيث لم يسبق لأي رئيس جمهورية ومنذ عقود طويلة ان تمتع بتلك الحيثيات الشعبية والسياسية والنيابية.

وفي سياق آخر يتعلق بتكريس اعراف لتوزيع الحقائب الوزارية وتخصيص بعض الحقائب لاحزاب او تيارات محددة، فإن تخصيص تلك الحقائب بدأ منذ ما بعد تطبيق اتفاق الطائف وليس بالامر الطارئ، وسبق ان شغل وزراء محددون وزارات معينة لفترات طويلة، وبالتالي كرسوا تلك الاعراف التي وصلت الى يومنا الحاضر.

وفي المحصلة، إذا كانت الوقائع تدل على خرق الدستور او المس باتفاق الطائف، فإن طريقاً واحداً يمنع ذلك الخرق هو العودة الى الدستور والتزام مندرجاته، والاحتكام الى مواده لتطبيقها، وإلا فإن الاتهام يبقى في الاطار السياسي، لكنه اتهام خطير لانه غير مسبوق بحق رئيس لا يزال في سدة الحكم.

abbas.sabbagh@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*