الرئيسية / home slide / اتفاق “تاريخي” بأبعادٍ إقليمية وجيوسياسية

اتفاق “تاريخي” بأبعادٍ إقليمية وجيوسياسية

12-10-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

روزانا بومنصف

بوصعب يُسلّم عون مسوّدة اتفاق الترسيم البحري النهائية بعد تسلُّمها من هوكشتاين.

تمنع الاعتبارات السياسية لا سيما المتصلة بالعمل الحثيث للرئيس ميشال عون بالسعي الى قطف انجاز #ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل شخصيا من اجل توظيفه تغطية لسنوات الانهيار الكارثي وجنبا الى جنب مع الشغور الرئاسي المتوقع وتمكنه من تجيير الحكومة العتيدة له من اجل الاستمرار على نحو غير مباشر في السلطة او اعادة تعويم صهره ، كثيرا من السياسيين والمراقبين من رؤية البعد المهم جدا لاتفاق على ترسيم الحدود مع اسرائيل والذي لا يقتصر على البعد الاقتصادي بل يتعداه الى البعد الاقليمي الجيوسياسي ايضا . وهذا الجانب اساسي في تقويم يعطي عون انجازا في الايام الاخيرة من عهده ولو انه لا يشكل تعويضا عن عهد انهياري للمؤسسات ال#لبنانية كما يوفر اوراقا مهمة ل” حزب الله” تسمح له بالاستقراء عشية استحقاقات دستورية داهمة . وجانب اخر يحول دون ذلك هو عدم الثقة بان انجاز ملف ترسيم الحدود يمكن ان يشكل خشبة خلاص للبنان وانهاض اقتصاده ليس لان احتمالات اكتشاف كميات كبيرة من الغاز وتحول لبنان ” دولة نفطية ” مبالغ فيه قبل رصد حقيقة ما تتضمنه الحقول البحرية فحسب، بل لان دولة عاجزة عن ادارة الحد الادنى من مقومات البلد ومؤسساته لا يمكن ان تدير ثروة نفطية اذا وجدت ، لمصلحة البلد وليس لمصالح اطرافها السياسية واحزابها المؤثرة. ويحول التكتم على المحتويات الكاملة للنسخة الأخيرة وما قبلها التي وضعت عليها ” ملاحظات ” و” تعديلات جوهرية ” كما قيل دون معرفة التفاصيل وما حققه للبنان او ما حققته اسرائيل. اذ ان وصف الاتفاق بانه ” تاريخي” ، فيما لبنان تلاقى مع اسرائيل بالوصف نفسه، دفع مراقبين الى ترجيح بانه وصف يعود الى الوسيط الاميركي اموس هوكشتاين تبناه كل من الطرفين اللبناني والاسرائيلي فيما وجه اليه الطرفان ايضا كل الشكر على جهوده لانقاذ الاتفاق بعدما كان على وشك الانهيار قبل اسبوع . وقد اتخذ المراقبون من هذا المؤشر اي الجهد الذي بذله هوكشتاين على هذا الصعيد بان الولايات المتحدة لا تتهاون ازاء ما تراه تحقيقا لمصالحها قبل كل شيء، واتفاق الترسيم الحدودي بين لبنان واسرائيل بدا من بين هذه المصالح ،بمعزل عن مصلحة لبنان او مصلحة اسرائيل . فاذا من اثبات لامر في هذا الاطار، فهو ان الولايات المتحدة تستطيع تحقيق اهدافها ومصالحها اذا وضعت الثقل اللازم لتحقيقه من دون شك . وهي وحدها من يستطيع ذلك قياسا الى الضغط الذي يمكن ان تمارسه على اسرائيل في الدرجة الاولى كما على لبنان اكثر من اي بلد اخر.

ولكن الموضوعية تقضي بالاقرار بعدم وجوب التقليل مبدئيا من الايجابية الكبيرة التي يشكلها هذا التطور وتداعياته البعيدة المدى وليس فقط بالنظر الى الاهداف المعلنة من جانب لبنان كما من جانب اسرائيل علما ان لدى السلطة في كل منهما مصلحة في تسويق انتصارات ومكاسب يصعب التأكد منها قبل معرفة التفاصيل والبنود لهذا الاتفاق وهل من ملحقات له . وان الملاحظات والتعديلات الاخيرة تم ارجاء بتها الى ملاحق تعد لاحقا حول معالجة التحفظات في ضوء الحاجة الماسة من كل الاطراف المعنية الى الاعلان عن الاتفاق قبل نهاية الشهر الحالي وعدم تضييع الفرصة التي فتحت عبر وجود وسيط اميركي مصمم على انجاز اتفاق لادارته وله شخصيا وحكومة اسرائيلية طامحة بقوة الى اعادة انتخابها وتثبيت نفسها بالاضافة الى سلطة لبنانية تحتاج انجازا في ظل انهيار يتدحرج منذ ثلاث سنوات من دون اي افق للانقاذ . فثمة غموض يتم اللجوء اليه في الاتفاقات او ما يشابه تحت عنوان الغموض البناء والذي يمكن ان يثير مشكلات لاحقا ما يستدعي اعادة تدخل الوسيط وهو الوسيط الاميركي في هذه الحال الذي يرجح ان يكون قدم ضمانة بلاده الشخصية لعبور التعقيدات الاخيرة التي برزت . ولكن الغموض البناء يفسح في المجال امام تفسيرات مختلفة للنقاط الخلافية . والنموذج الابرز لذلك لا يزال القرار 242 المتعلق بانسحاب اسرائيل من اراض محتلة او من الاراضي المحتلة وكذلك الحال بالنسبة الى تفسيرات قانون قيصر المتعلق بالعقوبات على النظام السوري او سوريا . ويحتاج اللبنانيون الى معرفة كيف تم حل ” التعديلات الجوهرية ” التي رفضتها اسرائيل . ففيما ان رئيس الجمهورية سارع الى الترحيب بانجاز الاتفاق قبل ابلاغ نسخته النهائية التي ارسلها اليه الوسيط الاميركي الى رئيسي الحكومة ومجلس النواب وتحدث عن ان ” الصيغة النهائية لهذا العرض، مرضية للبنان لا سيما وانها تلبي المطالب اللبنانية التي كانت محور نقاش طويل خلال الأشهر الماضية وتطلبت جهدا وساعات طويلة من المفاوضات الصعبة والمعقدة. كما حافظت على حقوق لبنان في ثروته الطبيعية وذلك في توقيت مهم بالنسبة الى اللبنانيين” .، فان تناقضا سجله ديبلوماسيون على نقطة اساسية . اذ كيف يمكن الجمع في عبارة واحدة بين كلمة ” مرضية ” اي مقبولة وجيدة على نحو كاف وتعبر عن درجة من القبول ليس الا ، والتأكيد ان هذه الصيغة ” تلبي المطالب اللبنانية وحافظت على حقوق لبنان”. فهذه الكلمة تخفف من زخم التأكيد ان لبنان اخذ كل مطالبه او انه اتفاق ” تاريخي”. وفي التغريدة نفسها لعون ان لبنان حصل على حقوقه في ثروته الطبيعية فيما ان التأكيدات الاسرائيلية ركزت على اكثر من هذا الطابع الاقتصادي الذي سيمكن اسرائيل من استغلال حقولها النفطية الى ضمان الامن لها وكذلك الاستقرار على حدودها مع لبنان . وهذا ما يفترض التوقف عنده والاجابة عليه لما يشمله من ابعاد لم يأت على ذكرها المسؤولون اللبنانيون في معرض ضمان تراجع الاعتداءات الاسرائيلية وضمان امن لبنان كذلك .

تلغي الوساطة الاميركية التي اعطت لبنان ” كل حقوقه ” مزاعم حصار مفروض اميركيا على لبنان فيما ان الكرة في ملعب الاطراف اللبنانيين من اجل التقاط فرصة تجميد الانهيار والانتقال الى مرحلة ايجابية في التعاطي مع الاستحقاقات وعدم وضع اتفاق الترسيم في الجارور فحسب .

rosana.boumonsef@annahar.com.lb