الرئيسية / مقالات / ابتسامة، ولو من أجل الصورة

ابتسامة، ولو من أجل الصورة

يرى الكثيرون ان “تاريخ تراجع وسقوط الامبراطورية الرومانية” لإدوارد غيبون، هو إحدى تحف السرد والبحث، في تاريخ الأمم. يبني غيبون نظرية السقوط الامبراطوري في حالة روما، على انه لم يقع في حرب مع امبراطورية أخرى، أو في نهاية صراع اممي، بل إنها هوت مريضة، معتلة، بالضعف الذي أصاب المجتمع والاقتصاد والمؤسسات، التي لم تعد قادرة على حماية نفسها من جحافل البرابرة المهاجمين.

“لقد اهترأت روما من الداخل،عندما فقد الناس ثقتهم في ثقافتهم ومؤسساتهم، وتصارعت النخب من أجل السيطرة، وتزايد الفساد، ولم يعد في قدرة الاقتصاد أن ينمو”. كأنه يصف لبنان عشية – أو غداة – القمة العربية التنموية في بيروت: بلد، اقتصاده سابح في الفضاء، بعيد عن باقي معدلات النمو ومؤشراته ومكوناته، وفي ذريعة البحث عن حكومة وحدة وطنية، يعيش بلا حكومة، في ظل حكم متحارب، متهادن، لا متوافق، داخل في نزاع يومي حول معاني الدستور واصول السلطة ومفاهيم الوطن.

عندما حان موعد القمة التنموية، كانت أصوات المعارك عندنا مرتفعة بحيث لم نسمع ما يقال في الخارج. وبدل ان يقحم العرب أنفسهم في ساحات لبنان، فضلوا حكمة الابتعاد والحياد. ففي الماضي لم تكن تجذبهم الى قمم بيروت المناقشات السياسية المكررة، والخطب المستعادة من القمم السابقة، وإنما زيارة المدينة والتمتع بانفراج اساريرها، ونكهة الحوار داخل قاعة المؤتمر وخارجه.

هذه المرة قيل لهم إن لبنان الماضي، قد انقضى. ولا ضرورة للمشاهدة عن قرب. احتفظوا بالصور القديمة. لن تعود ولن تتكرر! ذهبتُ الاسبوع الماضي الى المكتبة الوطنية الجديدة في الصنائع. وقد نُقِلت من مقرها الاساسي في مبنى البرلمان، الى هذا المبنى الذي انشأه السلطان عبد الحميد، العام 1907، كي تقام فيه مدرسة الصنائع، وظل كذلك حتى العام 1959، عندما اصبح مقر كلية الحقوق.

عندما تدخل حديقة المكتبة، تنسى انك في لبنان، وفي متاهة اسمنتية عشوائية لا مبالية اسمها بيروت. وعندما تدخل المكتبة نفسها، تتساءل، هل هذا هو لبنان، الذي كان يخصص للمدارس المهنية، عمراناً بهذه الأبهة والروعة الهندسية؟ كان الاتراك قبل عبد الحميد، ضد العلم والمعرفة والكتاب. وجاء الى السلطنة متأخراً. لكن مثل روما كان الاهتراء قد ضربها من الداخل. والصدأ قد خلخل الزوايا. والسبات خفّض همَّة العقول، فلم تعد تميز بين العادي والمبدع. والبلادة الذهنية اسوأ ما يصيب الأمم من اوبئة مدمرة، لأن البلداء يعتبرون انهم أهم من المعرفة وأقوى من الحق. وكان تولستوي، شفيع الفقراء وعبقري الرواية يقول، إن بطله واحد في كل عمل: الحق! والحق يضيع عندما تصبح الغايات أكبر من اصحابها. وعندما تصور الاوهام للناس ان العناد كفاءة، واللجاجة تفوق، والادعاء مهارة.

فيما غاب القادة العرب، أو تجنبوا الحضور، كان صاحب معجزة دبي، الشيخ محمد بن راشد، يصدر مذكرات عن 50 عاماً في العمل السياسي، في 50 فصلاً. في واحد من هذه الفصول يتحدث عن مدينتكم المتحاشاة اليوم “اذهلتني بيروت صغيراً، وعشقتها يافعاً، وحزنت عليها كبيراً. حلم تردد في ذهني أن تكون دبي كبيروت ذات يوم”.

نشرت في هذا المكان نحو العام 2003 حواراً مع حاكم دبي يوم قلت له إن حكومة رفيق الحريري تريد تقليد دبي. ضحك طويلاً وقال، ذات مرحلة لم يخطر لنا حتى أن نحلم بأن نقلدكم. وراح يروي كيف كانت النظرة الى بيروت أيام والده الشيخ راشد. يوم الميلاد الماضي كنت في دبي بسبب موعد مسبق مع إم بي سي. واكتشفت لماذا استحدث محمد بن راشد في حكومته الاتحادية “وزارة للسعادة”. بدا الأمر اولاً كأنه شيء من خيالات ديزني. لكن أيضاً هكذا بدت دبي كلها قبل 50 عاماً. والفارق اليوم انها أمامك لكنك لا تصدِّق. ولست اقصد الابراج والجسور المعلقة، بل الناس التي تعيش على الأرض، في ظل جميع شروط السعادة، وأولها الأمن والقانون.

يحزنك رثاء الشيخ محمد لبيروت. ويروي قصة الوساطة التي قام بها بداية الحرب، موفداً من الشيخ زايد، لكن بعد جولات قليلة على الحكام العرب، تبين له ان لا عودة عن قرار الخراب.

ما هي نسبة الفارق المدني النسبي بين دبي وبيروت اليوم؟ طرق، تجارة، ازدهار، فساد، رشوة، حركة اقتصادية، نسبة بطالة، ضمان صحي، نظافة، حفَر، تسهيل معاملات، الخ؟..أي نسبة أتخيلها سوف تكون ناقصة لحساب دبي، ومبالغ بها لحساب هذه المدينة التي توله بها حاكم دبي يوم كان شاباً.

كما كانت المقارنة بين بيروت ودبي جائرة قبل 50 عاماً، المقارنة بين دبي وبيننا ظالمة اليوم. مدينة بلا أمل ولا آفاق، وإمارة استحوذت الاسبوع الماضي على ادارة الموانى ء في… تشيلي! صحيح، دبي تمرَ في ازمة اقتصادية، لكن بسبب ظروف المنطقة والعالم، لا بسبب المحل الداخلي. وهي ازمة قد تقصر وقد تطول، لكنها ليست ازمة بقاء ووجود وزوال معنوي على خريطة العرب.

قمة بيروت غاب عنها العرب، وتغيَّب عنها لبنان. وبدا رئيس الجمهورية وحيداً وكأنما هذه قمّته، لا قمّة الدولة والجمهورية بكل أركانها ومؤسساتها. في مثل هذه المناسبات، يحضر الجميع، تتقدمهم المعارضة. ولو حصل ، لحضر جميع العرب ايضاً. لكن الضيوف يتحاشون الحضور إذا عرفوا ان أهل البيت متعابسون في ما بينهم، وأن في الدار عراكاً.

وصف فرانكلين ديلانو روزفلت (1936) الوضع في الولايات المتحدة قبله: “لإثني عشر عاماً كانت الأمة مصابة بحكومة لا تفعل شيئاً ولا تقول شيئاً. كانت الأمة تتطلع الى الحكومة، والحكومة تتطلع الى الناحية الأخرى. لقد بدأوا يتطلعون الى حكومة الولايات المتحدة على انها امتداد لأعمالهم. لكننا الآن نعرف ان الحكومة بالاموال المنظمة ليست اقل خطراً من الحكم بالجريمة المنظمة”.

غاب لبنان عن قمّته بين الحقائب والحصص. مؤسس في الجامعة العربية، ورائد في الديموقراطية، وشريك في شرعة حقوق الانسان، يكتشف ان صراعاته قد دمرت من حوله كل شيء. فقد حان موعد القمة وقضيته الكبرى الحق في حقيبة. أو اثنتين. أو حقيبة ونصف حقيبة. كما شاع في المعايير والحسابات، بل حتى في الاعراف أيضاً.

في نهاية الأمر عقدت القمة عندنا وبعيداً منا. والاخفاق كان سمعة لبنان كله، وحصة لبنان كله. فلا يمكن ان تفشل الدولة ونكون نحن ناجحين. ولا يمكن ان يكون الرؤساء متفرقين ونحن متحدون. ولايمكن ان تكون حقيقتنا شيئاً وصورتنا التذكارية شيئاً آخر.

عندما فُجِّرت إحدى كنائس مصر، خرج البابا تواضروس يستبق الفتنة قائلاً: “مصر بلا كنائس أفضل من كنائس بلا مصر”. كان في إمكان لبنان ان يكون بلا حقيبة لكي تكون الحكومة الى جانب الرئيس في استقبال ضيوفه، على الأقل من أجل الصورة التذكارية.

اضف رد