الرئيسية / مقالات / إيران تتصلب وسط رهانات الانفراج!

إيران تتصلب وسط رهانات الانفراج!

المتغيرات التي فرضها انتشار وباء الكورونا في غالبية دول العالم اثارت توقعات قوية بتحولات لافتة على صعد متعددة ليس اقلها تهدئة العلاقات المتوترة على الصعيد الدولي بين بعض الدول والتي شكلت الدعوة التي وجهها الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس بوقف للنار في مناطق النزاع على الاقل احد ابرز وجوهها. وكذلك الامر بالنسبة الى اعادة بعض الدول النظر في وجودها الرمزي في بعض مناطق النزاعات كاعادة الانتشار التي قامت بها الولايات المتحدة لقواتها العسكرية في العراق او سحب فرنسا عناصرها من العراق ايضا بسبب المخاوف من انتشار الوباء بين هؤلاء. وكان من اهم الوجهات التي استقطبت الاهتمام في هذا الاطار ما يتصل بالنزاعات القائمة في المنطقة اكان في اليمن او العراق او ليبيا او سوريا والابرز كان احتمال دخول تحولات على العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وايران. اذ انه في ظل عروض قدمتها واشنطن لمساعدات انسانية نتيجة تحول ايران مركزا للوباء في المنطقة ما اضطرها الى الى طلب مساعدة من صندوق النقد الدولي للمرة الاولى منذ العام 1962 لمكافحة الوباء رفض المسؤولون الايرانيون المساعدة الاميركية لا بل شيطنوها ( ربما لدحض اي مشاعر متجاوبة من الشعب الايراني تجاه هذه المبادرة) تحت شعار ان اميركا هي وراء نشر الوباء. ولعل تحول ولايات اميركية كنيويورك مثلا لمركز وبائي يشكل نقضا مزعزعا لما يذهب اليه القادة والزعماء في شيطنة خصومهم. لكن مراقبين انتظروا امكان ان يفتح التجاوب في التعاون الانساني بين الدولتين المجال لتخفيف التوتر واستفادة ايران من ذلك بدلا من المكابرة المكلفة بالنسبة اليها على هذا الصعيد حتى لو كانت الصين التي غدت توزع مساعدات نتيجة تجربتها الاولية بوباء الكورونا تشكل سندا لايران ولدول اخرى سواها على هذا الصعيد. ولعل ايران راهنت على مواقف في الكونغرس ضاغطة في اتجاه رفع العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عليها كنتيجة من نتائج انتشار الكورونا وفقا لما طالب بذلك بعض اعضاء الكونغرس من الديموقراطيين وكما سعت ايران الى الضغط في هذا الاتجاه ايضا على خلفية انها يمكن ان تحدث تغييرا جوهريا نتيجة التطورات، لكن الادارة الاميركية ردت بفرض المزيد من العقوبات على كيانات وشخصيات ايرانية على نحو متمايز عن المبادرة في اتجاه تقديم المساعدة الانسانية ما ينذر ببقاء الامور على حالها اقله في المدى المنظور في ظل تخبط ايران في الخسائر الداخلية وفي المنطقة. وهناك من يعتقد ان ايران تخطىء اذا استمرت في مقارباتها القديمة علما انه يمكنها دوما التبجح بانها رفضت تكرارا الحوار مع الادارة الحالية ولا تأبه بمساعداتها. وهذا يبقي ايران على حالها فيما تلوح متغيرات بالنسبة الى حليفها السوري الذي قد ينتزع كليا من احضانها.

اذ فيما لا تتضح منذ الان طبيعة المتغيرات الكبيرة التي يمكن ان تمليها الانعكاسات الكارثية لتفشي الوباء اقتصاديا في الدرجة الاولى، فان المراقبين تابعوا باهتمام الاتصال الذي اجراه ولي عهد ابو ظبي محمد بن زايد آل نهيان بالرئيس السوري بشار الاسد في بعد يتصل حصرا بتفشي الكورونا وفقا لتغريدة لانور قرقاش وزير الدولة الامارتي للشؤون الخارجية. اذ نقل عن ولي عهد ابو ظبي قوله ان سوريا لن تكون وحدها في هذه الظروف. وواقع الامر ان عدم تسجيل حالات تذكر للاصابات بالوباء لا يعني بالنسبة الى المراقبين المعنيين خلوها منه كما هي الحال في دول تشهد نزاعات كاليمن او ليبيا انما يعود ذلك الى غياب قدرة النظام السوري على القيام باجراء الفحوصات للسوريين لتحديد الاصابات مما يخشى في ضوئه من موجة كبيرة من الاصابات يمكن ان تتفجر في سوريا في اي مرحلة قريبة وكذلك بالنسبة الى دول النزاعات الاخرى في ظل انهيار النظام الصحي في هذه الدول جنبا الى جنب مع انهيار كل القطاعات الاخرى. وهذا يشكل مصدر قلق كبيرا علما ان اتصال ولي عهد ابو ظبي يضعه المراقبون في سياق ابعد من تفشي وباء الكورونا على رغم انه مبرر من حيث توقيته ومضمونه. فالامارات كانت اخذت طريق اعادة فتح سفارتها في دمشق في العام 2018 قبل ان تلجم الدول الغربية محاولات الانفتاح واعادة الاقرار بشرعية بقاء الاسد اقله حتى السنة المقبلة. ومحاولات اعادة النظام الى الجامعة العربية كانت محور جهود مستمرة من جانب دول عربية كمصر والجزائر مثلا فيما ان روسيا بذلت جهدا على طريق فتح الابواب امام النظام مجددا على خلفية تفشي الوباء.وهناك ثغر محتملة في قدرة الدول الغربية على متابعة المقاربة نفسها ازاء النظام السوري في اطار حمله على التجاوب مع تغييرات جوهرية يدخلها على النظام في ظل ما تشهده من تحديات داخلية يرجح ان تتفاقم مع تفاقم اتشار الوباء وانعكاساته المكلفة والمرهقة التي قد تستمر سنوات وليس اشهرا فحسب. لا بل ان احتمال تفشي الوباء على نطاق واسع في سوريا قد يغير من تعاطي الدول مع النظام سريعا. وحسابات السياسة قد تسقط في هذا الاطار. وهي فرصة ملائمة قد يراها بعض الدول من اجل تمرير ما لا يمكن تمريره في الاوقات العادية لاعتبارات مختلفة كما تفعل بعض الدول والحكام في تمرير ما تعجز عنه عادة في مقارباتها الداخلية. واحتمال العبور الى حكومة جديدة في العراق مثلا هو احد اوجه تداعيات الازمة. فيما يدخل قفز البعض في لبنان على الموقف الاماراتي من ضمن هذا السياق سيما وان السلطة محتكرة راهنا من افرقاء حلفاء للنظام ما دفع بهؤلاء الى اقتناص الفرصة لاعادة تحديث المقاربات السابقة لانتفاضة 17 تشرين الاول الماضي. وهو مسار كان ينتظر التوقيت فحسب في ظل نجاح اهل السلطة من الافرقاء السياسيين في استعادة الكثير مما خسروه بفعل الانتفاضة نتيجة تحكمهم بالية القرار المتعلقة بوباء الكورونا وسبل مواجهته. الامر الذي يمكن ان يؤدي الى المزيد من تهميش الحكومة. لكن هذا موضوع اخر ازاء التحولات الكبيرة التي يمكن ان يشهدها الواقع الاقليمي والدولي على وقع تداعيات الوباء.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد