الرئيسية / مقالات / إيران تبحث عن “جبهة” لمواجهة أميركا ترامب بالوكالة؟

إيران تبحث عن “جبهة” لمواجهة أميركا ترامب بالوكالة؟

استفاض الأمين العام لـ”حزب الله” في الحديث عن الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية في المقابلة الطويلة جداً و”الهادئة” و”المفيدة” التي أجرتها معه قناة “المنار” التلفزيونية مساء يوم الجمعة الماضي. لكن رغم ذلك يبقى مفيداً الخوض في هذا الموضوع الشائك، استناداً الى معلومات جديّة يمتلكها متابعون دائمون له ولتطوراته ولحركة الجهات المعنية به. انطلاقاً من ذلك يمكن تأكيد حقيقة يعرفها اللبنانيون، بل العرب والعجم والعالم كله، هي أن صراعاً يدور اليوم بين إيران وأميركا على أوروبا جرّاء سحب ترامب بلاده من الاتفاق النووي الموقّع مع الأولى، وتمسّك الثالثة بغالبية دولها الفاعلة به. فالأوروبيون كانوا متحمّسين جداً للاتفاق المذكور وأكثرهم حماسة كانت موغيريني المسؤولة المهمة عن السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي. طبعاً حاولت إيران بواسطة أوروبا الالتفاف على الانسحاب الأميركي والتفاهم على صيغة تعاون تخفّف عن إيران سلبيات إعادة ترامب فرض العقوبات السابقة عليها وسلبيات العقوبات الجديدة. لكن أوروبا لم تلبّ أو بالأحرى لم تتمكن من التلبية رغم رغبتها في ذلك، وتحديداً لم تفِ بالوعود التي قطعتها لإيران في هذا المجال. طبعاً تمسّك الأوروبيون بالاتفاق النووي بشدّة، لكنهم فشلوا في إقامة هيئة تغطي تعامل دولهم مع إيران وفق صيغ عدّة، منها مثلاً: تقوم إيران بتصدير منتجاتها الى الصين، ومنها النفط، فتعيد الصين تصدير ما استوردت الى أوروبا التي تكون وجدت طريقة تدفع بواسطتها لإيران ثمن المنتجات المصدّرة. وقد يكون أحد أبرز أسباب إخفاق أوروبا عجز دولها عن الضغط على شركاتها الكبيرة، بل الضخمة، فضلاً عن المتوسطة والصغيرة لاستئناف العمل مع إيران، خوفاً من أميركا وتحديداً من العقوبات التي هدّدت بفرضها، والتي لا قدرة لهذه الشركات على تحمّلها، مالية كانت أم غير مالية. علماً أن أوروبا هي التي استفادت عملياً من الاتفاق النووي الموقع أكثر من أميركا، إذ أن شركاتها هي التي دخلت ايران وعملت فيها. في اختصار، يؤكد المتابعون الجديّون أنفسهم أن إيران تريد استعادة أوروبا، فهل تنجح في ذلك؟ طبعاً لا يمتلك هؤلاء جواباً أو أجوبة مختلفة عن هذا السؤال. لكنهم يشيرون الى أن مواجهة مهمّة ومتنوّعة قد بدأت بين أميركا وإيران، وأن الثانية تخوضها بخطط مدروسة وحسابات عميقة وبأسلوب متدرج فيه السياسي والعسكري والإعلامي. ولا يعني ذلك عدم وجود نوع من التوافق بين الدولة الأعظم في عالم اليوم والدولة الأبرز والأكثر أهمية في المنطقة، رغم العداء المستحكم بينهما. وتوافقهما على أمر بالغ الأهمية لهما كما للمنطقة والعالم، وهو رفض الانجرار الى حرب مباشرة وشاملة بينهما. لكن أميركا تستمر في الضغط وتصعّده، ولذلك ترى إيران نفسها مضطرة الى الردّ. والسؤالان اللذان يطرحهما المسؤولون في طهران على أنفسهم، والأرجح أنهم وجدوا أجوبة عنهما، هما: كيف نردّ؟ وأين نردّ؟ من الأجوبة أن الرد الافضل في ظل “التوافق المصلحي” من دون تفاوض بينهما على “لا للحرب المباشرة” لا يمكن إلا أن يكون “بالواسطة”، أي بواسطة الحلفاء، دولاً كانوا أو أحزاباً قوية مجرّبة أو ميليشيات (Byproxy). وهذا أمر غير جديد، إذ إن ما خاضته إيران في المنطقة من مواجهات قبل “الربيع العربي” التعس وتحديداً في سوريا، ومن حروب ضارية بعده، كان دائماً بالواسطة، أي عبر الوكلاء والحلفاء. ولا يعني ذلك غياب الخبراء والمدربين وعدد ضئيل من عسكرييها. هذا الجواب يتبعه سؤال: أين يكون الردّ هل يكون العراق ساحته؟ الجواب لا يزال غير نهائي، ذلك أن إيران لا تعرف بعد التطورات الكثيرة التي شهدها، مثل انفتاح السعودية وعربها على العراق المحتاج الى أموالها رغم ثرواته وموارده التي بددها الفساد المستشري فيه، ومثل إصرار أميركا على ما تعتبره تحالفاً لها مع العراق وعلى بقائها فيه مع استمرار الوجود الإيراني المتنوّع هناك، سواء برضى طهران أو غصباً عنها، إذا كان اعتماد العراق ساحة مواجهة ممكناً. وفي هذا المجال لا بد من الإشارة الى اقتناع البعض، داخل العراق وفي المعسكر العربي – الأميركي المعادي لإيران ولدورها ونفوذها فيه، بأن قرار إدخال “الحشد الشعبي” الذي أسسته إيران الى المؤسسة العسكرية على تنوّع فروعها، والذي اتخذه رئيس حكومته الدكتور عادل عبد المهدي، يقلّص نفوذ إيران الأمني – العسكري، وتالياً السياسي في بلاده. لكن لا بد من الاشارة الى اقتناع آخر مناقض للأول. وهو يفيد أن قرار عبد المهدي لن يعطّل “الحشد الشعبي” ويغيّر مواقفه وسياسته وينهي موالاته لإيران ويقضي على نفوذها فيه. كما أنه لن يغيّر أهدافه، سواء وضعها قادته العراقيون أو المنظّرون الاستراتيجيون الايرانيون، ولن يجعل العراق أكثر استقلالية عن إيران رغم اعتبار أميركا إياه حليفاً لها. وعلى العكس، فإن التطورات ستقنع واشنطن باستحالة خروج العراق من حلفه مع طهران، علماً أنه كان عليها أن تعرف أن تأسيس “الحشد الشعبي” هو مؤشّر جدي لنجاح قادة الجمهورية الاسلامية في نقل تجربتهم “الناجحة” حتى الآن في بلادهم الى العراق. فالجيش الايراني مهمته الرسمية الدفاع عن الحدود والأرض. أما مهمة “الحرس الثوري” فهي حماية الثورة الاسلامية، علماً أن الاثنين قادران على العمل معاً وبفاعلية في أوقات الخطر الشديد.

و”الحشد الشعبي” في العراق مهمته المحافظة على “الثورة”، أي على الوجود السياسي وغير السياسي الايراني في العراق، فضلاً عن النفوذ. ولا بد أن يحتاج ذلك الى تعزيز الثقافة الثورية والاسلامية داخله، علماً أن نقل دولة تجاربها “الناجحة” الى دول أخرى قد لا يلاقي النجاح نفسه لاختلاف ظروف كثيرة رغم التشابه في أمور كثيرة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد