اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / إيران… الحرب قادمة!

إيران… الحرب قادمة!

19-01-2022 | 20:05 د.خالد باطرفي

مشهد عام من طهران (أ ف ب).

قدمت #إيران مبادرة جديدة للسلام في اليمن. لم يطلب منها أحد ذلك، وهي ليست من بين الدول الراعية للمبادرة الخليجية للسلام التي تبنتها الأمم المتحدة، ولا علاقة لها “رسمية” و”معلنة” بملف اليمن. فلا هي جارة، ولا دولة عربية، ولا شريك سياسي أو اقتصادي، أو حتى معترف بها من الحكومة الشرعية.

تنص مبادرة طهران على وقف إطلاق النار، مع ما تسميه “رفع الحصار” كلياً، وفتح المعابر البرية والبحرية والجوية مقدماً ومن دون شروط. ثم الدخول في مفاوضات سياسية للاتفاق على المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة توافقية جامعة، من أجل إدارة الوضع العام، مع تقديم دعم اقتصادي لها (من الجميع ما عدا إيران، بالطبع، فهي لا تقدم إلا السلاح، والدعم والتوجيه لميليشياتها).

تدوير ومداورة
لم تكن هذه المبادرة جديدة، فقد سبق أن قدمتها في بداية عاصفة الحزم، رداً على قرار مجلس الأمن 2216 الذي نص على مراقبة الشواطئ والأجواء اليمنية، ومنع تصدير السلاح للميليشيات الانقلابية، والعودة الى مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي شاركت فيه ووقّعت عليه الحركة الحوثية، مع تأكيد مرجعية مخرجات المؤتمر والمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن. كما نص القرار على أن “على جميع الدول اتخاذ تدابير لمنع القيام مباشرةً أو غير مباشرة بتوريد أسلحة أو بيعها أو نقلها لمصلحة علي عبد الله صالح، وعبد الله يحيى الحاكم وعبد الخالق الحوثي، والكيانات والأفراد الواقعين تحت العقوبات انطلاقاً من أراضيها أو بواسطة مواطنيها أو باستخدام سفن أو طائرات تحمل علمها”.

ويشمل ذلك حظر السلاح والذخائر والمركبات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار والمساعدات التقنية والتدريب والمساعدات المالية، وكل ما يتصل بالأنشطة العسكرية أو توفير أي أسلحة أو توفير أفراد مرتزقة مسلحين، سواء كان مصدرهم أراضيها أم لا. وتتولي الدول، لا سيما المجاورة لليمن، تفتيش كل البضائع المتجهة إلى اليمن والقادمة منه، إذا توافرت معلومات للاعتقاد أن البضائع تحمل أصنافاً يحظر توريدها. يأذن لتلك الدول عند الكشف عن أصناف محظورة التصرف فيها من خلال إتلافها أو تخزينها أو نقلها إلى دول أخرى من أجل التخلص منها.

أهداف طهران
أرادت إيران أن تعود الحال الى ما كانت عليه لتستأنف تصدير أطنان المعدات العسكرية والأسلحة والذخائر عبر البر والجو والبحر، وتواصل إرسال المستشارين والمدربين والخبراء العسكريين والمقاتلين من الميليشيات الطائفية التي تحكمها. فيما تحصل “حكومة الأمر الواقع” في صنعاء على الدعم الأممي الاقتصادي والتنموي. وأن يتجاوز المجتمع الدولي المرجعيات الثلاث ويقفز الى الحالة الراهنة، وهي سيطرة الميليشيات على عدد من المناطق، من بينها العاصمة صنعاء والميناء الرئيسي في الحديدة. وأن يؤخذ هذا الأمر في الاعتبار في حكومة تشاركية ندية بين حكومة اليمن الشرعية والحكومة الانقلابية من دون إجراء انتخابات عامة يخوضها الحوثيون كحزب سياسي يمثل فئة محدودة من الناخبين لا تتجاوز 2.7% من السكان، ومنطقة محدودة، بلا منفذ بحري، هي محافظة صعدة. وباختصار، تريد طهران مكافأة جريمة الانقلاب بالقبول بالأمر الواقع، ورفع العقوبات، وشرعنة سلاح الميليشيات. أي منحها أكثر مما تحقق للميليشيات الإيرانية في لبنان والعراق.

ومن ناحية أخرى، تحصل إيران على مقعد حول الطاولة كأحد رعاة الحل في اليمن، ويعترف العالم بحقها في الرعاية والتوجيه والهيمنة على حزب حاكم، وطائفة مجتمعية، ودعمهما بالسلاح والمال والرجال. أي بأكثر مما تحقق لها في العراق وسوريا ولبنان. كل هذا من دون أن تتحمل أي مسؤولية أو عقوبات على إشعالها الصراع، وخرقها إقرارات الأمم المتحدة، وتدخلها في ما لا يعنيها من شؤون العرب!

حصار وتحوّل
في تصوري أن إيران تعاني من ضغوط سياسية وعسكرية ومالية داخلية وخارجية. ففي الداخل، هناك الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية والصحية الخانقة، والتذمّر الشعبي المتمثل في التظاهرات التي عمت مختلف المناطق والمدن. وفي الخارج، هناك الضغط الإسرائيلي على القوات الإيرانية وميليشياتها في سوريا، والضربات الاستخبارية والنوعية على مواقعها الصاروخية والنووية في إيران. والذي لم يكن ليتم لولا اختراق مزمن ومتزايد للموساد الإسرائيلي للاستخبارات وأجهزة الأمن والمجتمع الإيراني. كما تزداد المعارضة الإيرانية في الخارج قوة وزخماً، وقبولاً في الداخل ومن المجتمع الدولي.

وهناك التحوّل الكبير في المزاج الشعبي في العراق ولبنان داخل الطائفة الشيعية ضد التدخل والهيمنة الإيرانيين. وانتصار المعسكر المناهض لميليشياتها في الانتخابات النيابية العراقية، والمتوقع مثله في الانتخابات اللبنانية القادمة. أما في اليمن، فقد انهارت الآمال بانتصار عسكري ساحق في مأرب، وتحوّلت دفة الحرب ضد وكلائها في العديد من الجبهات، مع سقوط قيادات وخبرات عسكرية إيرانية ولبنانية ويمنية هامة، يتقدمها السفير “الحاكم العسكري” حسن إيرلو (أو الإرهابي المطلوب دولياً، عبد الرضا الشهلائي) في استهدافات طيران التحالف العربي.

تخلّي الحلفاء وتحالف الخصوم
وفي المحيط الجيوسياسي، هناك الحلف الأذربيجاني الإسرائيلي التركي شمالاً، وهناك التحالف الطالباني الباكستاني شرقاً، إضافة الى الحراك السياسي والعسكري في محافظات بولشستان وكردستان والأحواز. وعلى الضفة الأخرى من الخليج العربي، يتباعد أصدقاء إيران عنها ويلتفون أكثر حول خصمها الأقوى، السعودية، بعدما ثبت سوء نياتها التي تجلّت في الخلايا الإرهابية التي كُشف عنها في الكويت والبحرين، والاعتداءات على الملاحة الدولية في الخليج وبحر عمان والبحر الأحمر. كما تزداد جيوش الخليج قوة بالسلاح الأكثر تطوراً، والتدريب، والتكامل بينها، ومع حلفائها العرب والأجانب.

وعلى الصعيد الأممي، فقدت طهران حقّها في التصويت في الأمم المتحدة نتيجة تخلّفها عن سداد ما عليها من مستحقات لسنوات، وتحوّلت عنها القوى الدولية، بمن فيها حليفها الروسي، وانتقدها علناً بسبب تعنتها في المفاوضات النووية، ونسّق مع إسرائيل لضرب وجودها في سوريا، الذي انخفض بحسب تقارير إسرائيلية الى 25% مما كان عليه، مع انخفاض ملموس في شحنات السلاح التي تمر عبر دمشق الى الضاحية الجنوبية وأنشطة “حزب الله” في سوريا. فيما يراهن الحليف السوري على العودة الى الحاضنة العربية لتطبيع الأوضاع السياسية والاقتصادية محلياً وعربياً ودولياً، وتمويل مرحلة إعادة الإعمار.

المطرقة والسّندان
كل هذه الضغوط، على كل الجبهات الداخلية والخارجية، دفعت ملالي طهران الى البحث عن مخرج، تارة بالتفاوض مع إسرائيل عبر “حزب الله”، وأخرى مع السعودية. وفي هذا السياق، تأتي زيارة وزير الخارجية حسين عبد اللهيان لمسقط والدوحة، والمبادرات السلمية في الخليج واليمن. ولكن جميعها تفتقر الى المضمون والجدية والجديد. فهي مجرد دعوات الى مزيد من الحوار، أو تكرار لمبادرات مرفوضة كمبادرة السلام في اليمن، لا يرافقها خفص للتصعيد، بل رفع له، كما حدث في قصف مطار أبو ظبي بطائرات درون، أو الاستيلاء على سفينة الشحن الإماراتية “روابي” في المياه الدولية في البحر الأحمر، إضافة الى مواصلة “حزب الله” تصدير المخدرات الى دول الخليج، واستضافة المعارضين لها، ورفع نبرة الخطاب السياسي والإعلامي ضدها.

مشكلة إيران هي أنها وضعت نفسها بين المطرقة والسندان. فطموحاتها السياسية والمذهبية والعرقية موسومة في دستورها ومنهجها ونظام حكمها. ومن دون التفوق العسكري، الصاروخي والنووي، والهيمنة السياسية والطائفية لن تستطيع تنفيذ مشروع الهلال الشيعي الممتد من طهران الى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، ولا استعادة حضورها الإمبراطوري في اليمن والخليج العربي. ولن تتمكن من قيادة المنطقة والعالم الإسلامي تحت راية الولي الفقيه.

خيارات الوليّ الفقيه
وفي الوقت نفسه، لا تملك طهران فائض القوة العسكرية والاقتصادية، والتحالفات الدولية والإقليمية، والمصداقية السياسية والدبلوماسية التي تسمح لها بتنفيذ مشاريعها، وتحمّل الأثمان من عقوبات ومقاطعة ومواجهة مباشرة مع الخصوم والضحايا في الداخل والخارج. وبعد أربعة عقود من المعاناة والصبر، لا يبدو أن الشعب الإيراني مستعد لمزيد من التضحيات. وعليه، فإن المواجهة العسكرية المباشرة، وليس عبر الوكلاء فقط، أصبحت حتمية بين إيران والعالم. وقد تندلع شرارة الحرب في أي وقت، ورداً على أي عمل متهور يقوم به الحرس الثوري، ويدفع اليه النظام الحاكم، هروباً الى الأمام من الأزمات الخانقة. يرافق ذلك مزيد من العقوبات المالية ضد النظام وميليشياته في المنطقة.

الساعة الرملية التي تراهن طهران على مداها توشك على النفاد، ولا بد من قلبها على رأسها لتبدأ من جديد. وليس أمام الولي الفقيه وحكومته بد من الاستيقاظ من أحلام الإمبراطورية الساسانية، والأوهام الصفوية، والاستدارة نحو السلام والانفتاح والتسامح، والتعامل مع مقتضيات الحاضر لا أحقاد الماضي، وتوجيه الموارد لبناء الوطن بدلاً من تدمير أوطان الآخرين، والانسحاب من شؤون الغير للتفرغ لشؤون بلاده واحتياجات شعبه. فالخيار البديل هو أن يواجه سخط العالم في مواجهة عسكرية واقتصادية مدمّرة حتى يضطر الى شرب السم في نهاية المطاف، كما فعل سلفه الخميني لإنهاء حرب الثماني سنوات مع العراق. نُشر في “النهار العربي”