الرئيسية / مقالات / إيجابيات المرحلة الكورونية

إيجابيات المرحلة الكورونية

ما عاد اللبنانيون يعرفون غير “النق” بسبب او من دون سبب. يخافون “صيبة العين” والحسد اذا ما رددوا انهم في حال جيدة، ويخافون الاحد اذا ضحكوا الجمعة. حتى جاءهم زمن الكورونا، بعد الازمة المالية الاقتصادية الخانقة، ليقضي على ما تبقى من زمن جميل. كلهم تحولوا خبراء اقتصاديين، ولاحقا خبراء في الصحة والطب، وفي قراءة الغيب، وخصوصا في فك شيفرات المكائد والمؤامرات التي تتبادلها واشنطن وبيجينغ عن طريق الفيروسات القاتلة.

واذا كانت الازمنة التي نعيشها هي ازمنة شدائد، وهي غالبا ما تتكرر في لبنان، اذ نقرأ في كل مرة، ان البلد يمر بمرحلة مصيرية. والعبارة تتكرر كل اربع او خمس سنوات، ان لم نقل كل سنة، لان سنواتنا عجاف، مع طبقة سياسية مهترئة، وطبقات شعبية اسوأ منها، لانها تعيد انتاج الاولى في كل دورة انتخابية، وتبدي استعدادها للموت فدى الزعيم و”صرمايته”، وهي بذلك تستحق هذا الموت الرخيص.

اليوم، نحن والعالم كله، في مرحلة مصيرية. ما قبل الكورونا وما بعده. ثمة اناس لن يدركوا ما بعده. حرب كما كل الحروب، جرثومية هذه المرة، لكنها تقضي على كثيرين. اما النجاة منها فلا تزال ممكنة بقليل من الوقاية وحسن التدبير.

متغيرات كثيرة وكبيرة تحصل هذه الايام. وابرزها على الصعيد الانساني. القرية الكونية ظهرت لها سلبيات اضافية، اذ امكن للفيروس ان يتخطى الحدود والحواجز بسرعة قياسية. لكنه ايجابي في عدم تمييزه بين الاعراق والاجناس والاديان. الناس كلهم سواسية حياله.

في البعد الانساني للمرحلة الكورونية وجهان: السلبي يكمن في الخوف المتبادل بين الناس، والحذر بين اهل البيت الواحد، والتباعد بين الاقارب والاصدقاء، وموت البعض، ومرض البعض الاخر، وتعطل المصالح، وسيادة البطالة، وحرمان كثيرين التنزه والسياحة والسفر، وانقطاع التلامذة والطلاب عن تحصيلهم العلمي. وفي البعد الايجابي، اجتماع العائلات من جديد بعدما باعدتها التكنولوجيا، وها هي تعود لتكتشف ان كثرة الانشغالات لا طائل لها غالبا، وان العالم الخارجي لا يسرق فقط اوقاتنا وانما هناءنا ايضا. وفي الايجابيات، عودة الى الطعام المنزلي في احضان الوالدة او الزوجة، بعدما اهمل كثيرون تلك الايدي العاملة لسعادة العائلات وصحتها.

وفي الايجابيات ايضا، ان الفيروس المخيف، اعاد الانسان الى حجمه الطبيعي. امام المرض لا تكبّر ولا تجبّر. يشعر الانسان بضعفه وحاجته الى الاخرين، الى الاحتضان، والمحبة، حيث لا تنفع سلطة، ولا مال، ولا جاه، ولا واسطة، ولا زعيم بالتأكيد.

تعيدنا هذه المرحلة من الحجر الى ذواتنا لنفكر مليا في هذه الحياة، ونجهد للمحافظة عليها. تعيد كثيرين الى الصلاة والتأمل. ولعل انساننا يحتاج الى روحانية جديدة في ذاته المتمردة على كل شيء. تجبرنا هذه المرحلة على التواضع، بسبب عجزنا امام اللامنظور والمتناهي الصغر.

هذه المرحلة الكورونية ستعيد توازنا الى الطبيعة بتراجع معدلات التلوث في كل بقعة من الارض بعدما تضاءل النشاط الصناعي والتجاري الملوث الى حده الادنى ما ينعكس علينا ايجابا ايضا. وللحديث تتمة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter:@ghassanhajjar

اضف رد