الرئيسية / مقالات / إنقاذ باللكمات القاضية

إنقاذ باللكمات القاضية

“في غياب المبادىء المشتركة، لا فائدة من النقاش”.

كونفوشيوس

دهمتنا النوائب دفعة واحدة. ونون الجمع هنا تعني الجميع: البلد والأمة، وهذا الكون القائم على ساقين من صلصال بين الثلاثة، كنا الأكثر زيفاً وهزالاً، وكان موعدنا مع الخراب قد حان، بعد تأجيلات فارغة ووعود لا يصدقها احد. كورونا مجرد تحريك.

كل يوم يمضي نكتشف هول الآثار، وطناً وامّة وعالماً. عالم بلا قيادة وسفينة بلا قبطان، وسلوك لا أخلاقي يلفّ الكون، إلا من بضعة نماذج ماسية مثل جاسيندا اردرن في نيوزيلندا، على اطراف الكوكب. وما عدا ذلك سارعت الشركات والمؤسسات الى رمي الموظفين والعمال، من الأبواب والنوافذ، وطلب الملايين من الاميركيين المعونة الاجتماعية، فيما اصبح المشهد السائد على نشرات الأخبار عندنا، صور الكراتين والوجبات المعيلة، واكثر الصور ذلاً وحزناً منذ 1920.

العنصر الأكثر سطوعاً في بانورامية المنظر هو انفضاح الحس البشري. الرأسمالية تترك العجزة للموت في بيوت المسنين، ونيويورك المنهكة تأمر المسعفين بتجاهل مرضى القلب. لا مكان إلا لمصابي الخانقة. الرأسمالية تتناثر في مهب الاعصار. وألوف المليارات تفر مذعورة امام جرثومة شريرة، ولا يعود يوصف ما يحدث إلاّ بالرؤية التوراتية.

فاجأنا كورونا ونحن عراة، وأعادنا الى بيوتنا مثل طفل معاقَب، ووضع كبار العلماء امام امتحان غير مقرر في البرنامج، أو في المنهج. ولا جواب صحيحاً. لا شيء ينفع. لا عقاقير ابن سينا ولا جبر الخوارزمي أو ارقام ستيف جوبس. جرثومة تتبختر في هذا العالم مثل رصيفية، مفتخرة بما تعرض. المشكلة عند غيرها.

كوطن ومنطقة، كان العرب أسرع وأشمل. ثلاثون عاماً من تراكم الصفقات والتواطؤات، وشراكة الضمائر الميتة وُضعت فجأة امام سلسلة من الاستحقاقات غير القابلة العري للمزيد من الاغطية والملاحف. كل فريق يريد الخروج ومعه حصته من دون دفع اي ثمن. ولما اشتد الطلب على اي حل، تم فوراً اقتراح بيع كل ما تملك الدولة من اصول، منقولة وغير منقولة. أي، سرقنا الآباء والابناء بالمزاد، ونسرق الاحفاد بالمناقصة.

كان نجيب حنكش يروي قصة الزحلاوي الذي تعامل للمرة الأولى مع بنك. فأخذ يوزع الشيكات يميناً ويساراً. ولما كُشف، استدعاه مدير البنك وقال له ان تصرفه جعله مكسوراً على 2000 ليرة. فمدَّ الرجل يده الى جيبه بكل الاريحية الزحلاوية، وسحب الدفتر واعطاه شيكاً بألفيّ ليرة.

كنت اروي هذه القصة منذ اكثر من عام، على سبيل المأساة، لا على سبيل النكتة. فالذي كان يحدث امام العالم اجمع، لم يكن في حاجة الى خبراء. ومع ذلك لم تبقَ منظمة مالية دولية لم تحذّرنا، ولم تبقَ مؤسسة مرجعية لم تسحب منا نقاط الثقة ومراتب الجدوى. ولم تبقَ دولة صديقة من شركائنا التاريخيين، مثل فرنسا، إلا بعثت موفديها، وكنا نلقي عليهم الدروس في كيف يديرون شؤونهم. نحن نعلِّم، لا نَتَعَلّم. ولن.

كل في دولته، اقام خندقه في وجه الآخر، والناس في الوسط. عادة قديمة مضمونة النتائج: تُشيّع الضحايا بلا اسماء، ويتحوّل اصحاب الخنادق الى اصحاب السلطة. ابطال الحرب ابطال السلام. وفي هذه الحال، يصبح التواطؤ بين المرتكبين بروتوكولاً.

أما حاكم مصرف لبنان فأقام امبراطوريته. فالذي يملك المال – حتى في غير لبنان – يملك كل شيء. وضع في جيبه دفتر شيكات وأخذ يوزع على الناقمين والموالين معاً. وعندما صرف شيكاً بنحو 5 مليارات دولار هبة واحدة، أفحم الجميع بأنه لو لم يفعل لانهار النظام المصرفي! هل يصان النظام بمكافأة المخالف أم بمعاقبته؟ اليوم يقول سعادة الحاكم للبنانيين، إنه عندما قبل منصبه، ضحّى براتب مقداره مليونا دولار في العام من ميريل لنش. واستكمل التضحية بالبقاء ربع قرن.

لا يجوز ان ننكر على رياض سلامة المرحلة التي مُرّر بها القطاع المصرفي من عمليات سطو معلنة مثل رستم غزالة و”بنك المدينة” والآنسة صاحبته. لكن بلغة وتعابير كورونا اليوم، ألم يكن من الأنسب للجميع أن يعود إلى ثرواته الخاصة بدل ان يمضي في خدمة لبنان، عندما ادرك أنه لم يعد في إمكانه وقف الخوّات والانهيار وسد باب التسويات؟

وقف رياض سلامة يمنّن اللبنانيين جميعاً، بما ضحّى في سبيلهم. مثل الوزير الذي منّ بأنه “جاب” لنا البترول. المنّة لغة هذا العصر. وهي لا تليق بكفِيّ مثل رياض سلامة. ولا بأن يخاطب بها الناس فيما الناس مسحوقة جميعها، بسبب تخاذله امام الطغمة السياسية، والشهوة المارونية المدمرة – لأصحابها وللبلد – في الوصول الى الرئاسة.

ليس اعظم من التوقيت في الحياة، ولا اعلى مجداً من ساعة الإنصراف. إنها اعظم بكثير من لحظة الوصول. لا ادري من هو اكثر بؤساً الآن، نحن وليرتنا أم رياض سلامة وسعادته. هذه هي نتيجة اختلاط الضعف بالاستقواء. إنه هذا المشهد المريع من البعثرة الوطنية والكيد الصلف الذي يدمّر البلد في طريقه.

المشهد السياسي حالة جنونية لم تُعرف من قبل. حلبة يتلاكم فوقها الجميع ولا مكان لحَكَم. ولا لوسيط. وبين القبضات القاسية يترنح لبنان. وأغرب ما في حالة الانفلات الثأري المريع أن الأكثر رحمة بين المتقاتلين هو كورونا. وتحية الى حمد حسن الذي يتنقل ما بين بشري وبيروت وبعلبك بلا موكب ولا تهديدات. تحية الى مواطن نبيل لا يجرؤ أحد على القول إنه شيعي أو سني أو ماروني.

الجميع فوق الحلبة، والمشهد مخيف. لقد فات الأوان علينا جميعاً لأننا لم نتعلم أهمية ساعة الانصراف. ماذا لو أن الخبير المالي الدولي رياض سلامة انصرف في “ساعته الذهبية” لكي يعود في ما بعد مرشحاً للرئاسة في ساعة ذهبية أخرى؟ للأسف، فات الأوان على الجميع. في مثل هذه الأعاصير، كان يمكن ان يطل رياض سلامة كمنقذ محتمل بدل ان يضيع في مجموعة المتهمين. كل شيء قد تأخر الآن. واليعازر الذي أقامه المسيح من بين الأموات، لا يستطيع هو القيام بهذا الدور تحت الإسم الفرنسي LAZAR.

لم تكن المشكلة يوماً مشكلة افتقار الى الخبرة، بل كانت دائماً مشكلة فقر في الوعي واحترام النفس. لم تتغير المسألة منذ ارسطو، أو لعله افلاطون، أو واحد آخر من آباء العقل: اعرف نفسك. إنها اكبر المشاق وأصعب المعضلات.

لذلك لاحظ كم وجهاً يقدم السياسيون للناس وكم قناعاً وعلى كم حبل يرقصون. وكيف يتم ذلك عاماً بعد آخر دون رفة جفن ودون تمهل لحظة واحدة. مِن اجل مَن يفعلون ذلك؟ كم مرة قالوا لك إنهم يفعلونه من اجلك وحدك، وإنك لولاهم، لا يعرف إلا الله اين كنت الآن.

أجل، صحيح، أين؟ في دولة غير مفلسة وغير ممزقة. دولة كدّ – لا كيد. دولة بسيطة عادية لا تطرد خيرة ابنائها كل يوم الى كل بلدان الأرض، بحثاً عن العمل أو العلم. كشفت لنا كورونا أن لدينا طلاباً في ووهان. وايضاً في اوكرانيا، حيث ذهب ميخائيل نعيمة طالباً في جامعة فالتافا العام 1912، وهناك وقع في الحب للمرة الأولى والاخيرة.

كنت اود، وقد حضرت المناسبة، أن امازح عزيزاتنا السلوفاكيات، باعتبار أن الدعابة مسموحة للمتقدمين في السن، لأنهم ليسوا في العير ولا في النفير، كما قالت العرب. والعير، جنابك، هو البعير المحمّل. وقد غنى له جدودنا تلك العتابا المحزنة “جْمال محملي وجراس بتعن / وايام المضت، عالبال بتعن”.

قلت، كنت اود. ولكن امزجة الناس لا تحتمل حتى نسمة عابرة، وحتى إقرار قانون زراعة الحشيش مرّ كئيباً، تحت اسمه الشرعي “زراعة القنب الهندي”. والمعروف ان الحشاش ينسى اسمه احياناً. أو دائماً. في الستينات ذهب الزميل الكبير طلال سلمان لإجراء مقابلة مع المقرىء عبد الباسط عبد الصمد، وكان يرافق طلال الزميل قاسم افيوني والمصور مصطفى حشيشو. وعندما قدمهما طلال للرجل، تحركت فيه غريزة النكتة المصرية وقال لضيفه:

“حصل لنا السطل يا بهوات”.

في الماضي كان يقال في الخليط المستحيل “سمك، لبن، تمر هندي”. اما قنّب هندي، فلعمري، كما كان يردد الراحل رشيد كرامي، في حالات التعجب.

Twitter: @Samir_N_Atallah

اضف رد