الرئيسية / أضواء على / إنقاذ الأكثرية أم إنقاذ البلد؟

إنقاذ الأكثرية أم إنقاذ البلد؟

على رغم اظهار الاكثرية الحاكمة انها تعي حجم الازمة الانهيارية التي يعيشها البلد وحاجة البلد الى حكومة انقاذ مصغرة لا يتعدى عددها اصابع اليدين ولو الى حين كما طالب بذلك البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في موقف صارم وواضح من المراوحة المعتمدة في الذهاب الى حكومة جديدة، فان هذه الاكثرية ترغب في اعادة انتاج الحكومة نفسها وفق الاقوال والمواقف المعلنة والتي كان اخرها لرئيس كتلة “حزب الله” النيابية محمد رعد والافعال وفقا لممارسات رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل. وهو مسار يثير التساؤل اذا كان الهدف من الحكومة المقبلة انقاذ تحالف الاكثرية وانقاذ ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ام انقاذ البلد بعدما شعر هذا التحالف انه اصيب بقوة جراء الانتفاضة الشعبية. ففي الطائرة التي كانت تقل الرئيس عون في طريق عودته من نيويورك بعد مشاركته في اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة في ايلول نقل عنه انزعاجه من التظاهرات التي بدأت على خلفية موضوع البنزين والرغيف معتبرا ان الشارع تم تحريكه اعتراضا على ما جاء في كلمته في الامم المتحدة ملوحا فيها بالرغبة في الانفتاح على نظام بشار الاسد في موضوع النازحين السوريين. وهو منطق اعاد تكراره في حديثه الصحافي الاخير. لكن اي شعار لم يطلق في الشارع لامس بصراحة هذه الاشكالية. وفي ظل الخشية التي ابداها الحزب من استهدافه نتيجة ما اصاب قاعدته التي ثارت بقوة على نحو غير مشهود والاستهداف السياسي للطبقة السياسية بأسرها، يصعب استبعاد ان يطاول هذا الاستهداف رئيس الجمهورية ورئيس تياره اللذين ذهبا بعيدا في تأمين دفع البلد الى المحور الايراني السوري عبر المواقف التي صبت في النية العلنية في الانفتاح على النظام. وهذا يشكل سببا رئيسيا لـ”حزب الله” من اجل التمسك بتحالفه الاستراتيجي مع التيار العوني والتدخل حتى من اجل تغيير او تعديل شروطه الشخصية من اجل تأليف حكومة جديدة. لكن هذا لا ينفي واقع انه اذا صح ان لبنان نجا من هزة مكلفة جدا على الصعيد المالي نتيجة استقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض في تشرين الثاني 2017 وتم ايجاد المخارج لعودته عبر التأكيد الحاسم للاكثرية الحاكمة باعتماد النأي بالنفس والذي كان شرطا من شروط مؤتمري دعم الجيش اللبناني وسيدر، فان الانقاذ غدا اكثر كلفة هذه المرة مع اكلاف قد يضطر الحزب الى دفعها لكن ايضا واكثر منه التيار العوني. اذ ان ما جرى وايا تكن الاتهامات التي تساق في صدده ساهم في اظهار تعثر العهد الرئاسي بقوة سواء كان ذلك نتيجة سوء ادارة للحكم او نتيجة “انقلاب (!)” سياسي على اخذ البلد واستيعابه من ضمن محور اقليمي معين. هذا هو الاستنتاج البديهي لما اعتبر انطلاق الانتفاضة بعد المواقف في الامم المتحدة ولاحقا في ذكرى 13 تشرين الاول. فما جرى في الشارع حتى في معرض الدفاع عن رئاسة الرئيس عون لم يخدمه في الواقع الى حد كبير ولا كذلك ابقائه موضوع موعد الدعوة الى الاستشارات الملزمة وتاليا تكليف رئيس جديد للحكومة بدلا من تأليفه الحكومة هو مسبقا. فهذا لا يرمم الاضرار التي وقعت بل يعمقها في الواقع في ظل وجود رأي عام متنوع اضحى في موقع المعارض له ولتياره.

هذه النقطة بالذات ومع ان الشعب ليس من ينتخب رئيس الجمهورية بل هم النواب على رغم مطالبة مسبقة للرئيس عون بذلك ستقوي الاوراق الخارجية في حساباتها ازاء موقع رئاسة الجمهورية واتجاهاتها. قد يكون اسهم التيار العوني ارتفعت لدى الحزب نتيجة هذه الازمة لكن اوراقه احترقت في الخارج. وهذا لا يدخل في اطار التحليل او التوقع بمقدار ما يعبر عن واقع معلوماتي حقيقي علما ان سفارات عدة كانت وقبل نشوء الازمة الاخيرة جزمت بان لا مكان محتملا في المستقبل لرئيس للجمهورية لا يكون حياديا او وسطيا. وهي غدت بعد الازمة اكثر جزما بذلك خصوصا في ظل تماهي موقف الحليفين من دون قدرة لدى رئيس الجمهورية نتيجة اعتبارات مختلفة مراعاة مصلحة لبنان الدقيقة ان في علاقاته مع الدول العربية او في علاقاته مع الولايات المتحدة ومع الغربيين ايضا وغياب قدرته كذلك او عدم ارادته الابتعاد نسبيا عن الحزب ربما نتيجة حسابات لديه تتصل بما بعد رئاسته وتأمين خليفة له او باعتبارات تتصل بعدم سهولة الابتعاد عن هذا التحالف والاكلاف الباهظة التي يمكن ان تترتب عليه. ومن هنا الكلام على رغبة اميركية في فرض عقوبات على شخصيات مسيحية تتماهى مع الحزب او تغطيه في اشارة مقصودة الى الوزير باسيل، لكن الواقع ان هذا الامر قد يكون متعذرا ليس لود يكنه الاميركيون لوزير الخارجية المستقيل فيما ان الرسائل توالت بعدم استقباله في واشنطن على رغم زياراته المتكررة اليها انما لاعتبارات قانونية اميركية في الدرجة الاولى. لكن المغزى من ذلك ان رئيس التيار العوني وتمكينه السياسي للحزب رسميا وسياسيا عبر دفع لبنان بعيدا من تحالفاته السياسية المبدئية غدا مكلفا للبنان كما بدأ التيار يدفع كلفته ايضا ورئاسة الجمهورية كذلك في ظل مواقف متراكمة في الاعوام الثلاثة الماضية نفرت العرب واستفزتهم الى حد كبير علما ان سوء الادارة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية نافس في ظل السعي الى احتكار الصلاحيات او استعادة زمن ما قبل اتفاق الطائف الاعتبارات المتصلة بالسياسة الخارجية لجهة مدى التزام لبنان النأي بالنفس من اجل تحييده عن المحاور الاقليمية. والتفسيرات التي اعطاها تحالف الاكثرية للانتفاضة وابعادها هو الذي ساهم في تسليط الضوء على الاعتبارات السياسية فيما ان البعد الحقيقي للانعكاسات لم يعد ينفصل عن هذه الاعتبارات.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد