اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / إنتظروا واحداً من ثلاثة تحولات كبرى…

إنتظروا واحداً من ثلاثة تحولات كبرى…

نديم قطيش 
الأحد 31 كانون الثاني 2021
https://www.asasmedia.com/news/387988

لا شيء يوحي أنّ الدينامية السياسية الراهنة في لبنان قادرة على إنتاج أفضل مما هو قائم. تمديد الفراغ هو الإحتمال الأرجح ما لم تتشكل حكومة بشروط حزب الله المعروفة: ثلث معطل للحزب، وهو ما بات يشبه العرف الدستوري منذ اتفاق الدوحة المشؤوم عام 2008، ووزارة المال بما هي ورقة فيتو شيعية داخل مجلس الوزراء، وإرضاء الحليف المسيحي، أي الرئيس ميشال عون.

الإخلال بهذه المطالب يعني أن لا حكومة في الأفق. والإلتزام بها يعني أنّ الحكومة تولد غداً.

لئن كان الرئيس المكلف سعد الحريري ليس في وارد التضحية بآخر الوحدات الشحيحة في رصيده السياسي والشعبي، بالقبول بمثل هذه الشروط، سيكتفي بورقة التكليف التي في جيبه وما تضمنه له من مقعد على طاولة معادلة الحكم في لبنان.

حماية تكليفه، من دون تسهيل التأليف، هو أقصى ما يمكن لحزب الله الذهاب به خلافاً للرغبة المعلنة لعون. والتمسّك بالتكليف من قبل الحريري على إيقاع مواجهة مضبوطة مع عون وصهره، هو أقصى ما يمكن للحريري أن يذهب إليه قبل أن يبدأ بإحراج حزب الله. أما عون فيمسك من جهته بتعطيل التأليف، ما لا يضمن في الحكومة المقبلة الشروط السياسية التي تؤمن انتصاراً مسيحياً لصهره ووريثه.

حدود اللاعبين هذه لا تنتج أكثر من المشهد الراهن المشين، الذي ينتحل صفة الحرص على الناس ومصالحهم، فيما الناس وأوجاعهم في وادٍ آخر.

تمديد الفراغ هو الإحتمال الأرجح ما لم تتشكل حكومة بشروط حزب الله المعروفة: ثلث معطل للحزب، ووزارة المال، وإرضاء الحليف المسيحي، أي الرئيس ميشال عون

في التحليل الأخير للأزمة اللبنانية أنّها نتاج التموضع السياسي الاستراتيجي للبنان بقيادة حزب الله في الخندق الإيراني. لا يلغي ذلك المشاكل البنيوية التي يعانيها لبنان على مستوى طبيعة النموذج الاقتصادي، ورداءة الإدارة، وتفشّي الفساد. بيد أنّ التموضع إيّاه كان الصاعق الذي فجّر أحزمة لبنان الناسفة حين أقفل في وجهه سبل الدعم وحرمه من المسكّنات التي كان تتيحها علاقات لبنان العربية السليمة وقدرته على الاستدانة وانتحال صفة النموّ، وإن لأسباب وعوامل غير مستدامة.

ولئن كان هذا التموضع هو جذر الأزمة، فقد بات من صروف تزجية الوقت البحث عن حلول في الداخل وبالاستناد إلى معادلات محلية.

الحقيقة أنّ أمام اللبنانيين ثلاثة انتظارات في المعلوم:

أولاً: تفاهم أميركي إيراني

تبدو إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، من خلال تصريحات المسؤولين وعبر بعض التعيينات الرئيسية – وبينها تعيين روبرت مالي موفداً خاصاً للملف الإيراني، وويندي شيرمان نائبة لوزير الخارجية – عازمة على منح الملف الإيراني صفة الأولوية. أضعف الإيمان أنّ الرئيس بايدن سيسعى للوصول إلى تفاهمات ما، قد لا ترقى إلى حدود إحياء اتفاق العام 2015 الذي وقعته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لكنّها لا تبقى عند حدود القطيعة التامة التي أحدثها خروج الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018.

أي تفاهم نووي، يؤدي إلى إراحة طهران، يمتلك القدرة على تسهيل استيلاد بعض الحلول في الداخل اللبناني، وابتكار صيغ لتشكيل حكومة تملأ الفراغ. لكن ما هي نقطة التوازن التي تسمح بإراحة إيران بما يكفي من دون استفزاز إسرائيل بما يكفي؟

يوصلنا هذا الى النقطة الثانية.

ثانياً: حرب إسرائيلية

ما يعرفه العالم عن الملف النووي الايراني، بفضل إسرائيل واستحواذها على جزء ضخم من الأرشيف النووي الإيراني عام 2018، لا يسمح بحسن النوايا أو الاستثمار في الافتراضات الساذجة لإدارة أوباما. إسرائيل كشفت للعالم بعد اتفاق 2015، أنّ لإيران برنامجين نوويين، واحد سريّ وآخر علني. وقدّمت وثائق تثبت أنّ طهران تمتلك بحوثاً متقدمة في مجال عسكرة البرنامج النووي. كما نجحت في الربط بين البرنامج الفضائي الإيراني وبين البرنامج النووي، من خلال إثبات قدرة إيران وعزمها على تحويل الصواريخ الفضائية إلى صواريخ نووية عابرة للقارات. وفوق كل ذلك يُعتقد على نحو واسع أنّ إسرائيل قتلت رأس المشروع النووي العسكري محسن فخري زاده.

أي تفاهم نووي، يؤدي إلى إراحة طهران، يمتلك القدرة على تسهيل استيلاد بعض الحلول في الداخل اللبناني، وابتكار صيغ لتشكيل حكومة تملأ الفراغ. لكن ما هي نقطة التوازن التي تسمح بإراحة إيران بما يكفي من دون استفزاز إسرائيل بما يكفي؟

في ضوء هذه المعرفة، لن تسمح إسرائيل، حتّى لواشنطن، أن تقرّر عنها ما يهدّد أمنها القومي من وجهة نظرها. وبالتالي فإنّ الخيار العسكري الإسرائيلي ضدّ إيران موضوع جدياً على الطاولة. ففي تصريحات غير مسبوقة، لا سيما في فترة إنتخابية، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي، في خطاب خلال المؤتمر السنوي لـ”معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، إنّ “العودة إلى الاتفاق النووي الموقع في 2015، حتّى وإن كان اتفاقاً مماثلاً بعد العديد من التحسينات، هو أمر سيّء وخاطئٌ من وجهة نظر عملياتية واستراتيجية”. وتابع كوخافي قائلاً: “في ضوء هذا التحليل الأساسي، وجّهت قوات الدفاع الإسرائيلية بإعداد مجموعة من الخطط العملياتية إضافة لما لدينا بالفعل”.

والخيار العسكري، إذا ما تم اللجوء إليه، لن يكون لبنان خارج معادلته وتداعياته. أيّ حرب إسرائيلية – إيرانية ستشمل لبنان وسيكون لخواتيمها دور مركزي في تقرير مصير الأزمة السياسية اللبنانية عبر مصير اللاعب الرئيسي فيها، وهو حزب الله.

ثالثاً: إتفاق سلام سوري إسرائيلي

العارفون بمسارات ملفّ المباحثات الإسرائيلية السورية، لا يتوقعون اختراقات قريبة، إلا أنّهم يقرون بأنّ ثمة اتصالات قائمة ومباحثات جارية تجاوزت الصفة الاستكشافية، وإن كانت لم تغادر بعد نطاق العموميات. ثمة شيء يجري على خطّ دمشق تل أبيب، مفخّخ بالكثير من العقبات الأساسية. بيد أنّ أيّ اختراق في هدا الملفّ، ستكون له انعكاسات استراتيجية في لبنان، تطال من بين ما تطال إعادة تشكيل الواقع السياسي اللبناني وتوازناته.

لستُ ممن يراهنون على هذا الانتظار الثالث، لكنّ إيراده هنا مبرّر على قاعدة البحث النظري في ماهية المخارج للأزمة اللبنانية في شكلها الراهن، كما أنّه مبرّر على قاعدة التأكيد أنّ مخارج الأزمة دونها تحوّلات بهذا القياس التاريخي.

أيّ من هذه التحولات الثلاثة قادر، بحسب النتائج التي يخلص إليها، على فرض حكومة إنقاذ جدية من خارج نادي المافيا والميليشيا، ووضع لبنان مجدّداً على سكّة المعالجة والإصلاح ومعاودة النهوض، تمهيداً لانتخابات برلمانية تفتح المجال أمام إعادة تكوين الطبقة السياسية اللبنانية على قواعد جديدة.

لبنان الراهن جثة سياسية تنتظر الدفن، ولا تحمل، حتّى يحين الموعد، إلا وعود العفن.