إميل حنوش الفنان وكاتم الأسرار طوى الصفحة الاخيرة في متحفه 400 لوحة و200 أيقونة من يحافظ عليها؟

غسان حجار
النهار
29102018

رحل إميل حنو رحل إميل حنوش بصمت. لم أعرفه من قرب، التقيته مصادفة في مناسبات عدة لدى أصدقاء مشتركين. لكن الرجل معروف في البقاع، فهو إلى فنّه وولعه بالرسم على أنواعه انطلاقا من الأيقونات البيزنطيّة، كان صاحب “مضافة” سياسيّة إعلاميّة فنيّة، إضافة إلى مطعم حنوش في تعنايل على طريق الشام، والذي جعله ملتقى للأصدقاء أكثر منه مطعماً تجارياً يجني منه المال. في زمن الوصاية السورية، كان “كازينو حنّوش” المحطّة لمن لا يقصد عنجر مباشرة، فيه كانت تعقد اللقاءات والمفاوضات والاتفاقات، وغالباً على مرأى ومسمع من حنوش كاتم الأسرار والصامت الأكبر. لم يتحدّث يوماً بمنطق العارف والمالك الأسرار، بل كان يُبدي وجهة نظر بسيطة، ويبتسم عندما يحكي أحدهم عن اتفاقات ولقاءات بتفاصيل يشهد الرجل أنها لم تكن كما يرويها الراوي، لكنّه لم يُصحّح أو يُكذّب أحداً.

أمّا الجانب الأهم في شخصيّته وحضوره، فكان إميل حنّوش الفنان المُبدع. فقد درس الرسم لكنّه لم يُكمل الدراسة متوجّهاً إلى العلوم السياسيّة. بدأ تجميع اللّوحات والأيقونات منذ زمن بعيد. أوّل أيقونة اقتناها في العام 1972. وأوّل لوحة في العام 1976 قسّطها على دفعات. في دار حنّوش والمتحف الذي أسّسه وافتتحه وزير الداخلية نهاد المشنوق في أيلول 2017، 400 لوحة لفنّانين كبار وأيقونات بيزنطيّة قيّمة أهدى متحف الفاتيكان إحداها قبل سنوات، وهي تعود إلى العصور الأولى للمسيحيّة.

لدى افتتاحه المتحف الجديد الذي شيده حنوش، قال عنه المشنوق: “إضافة إلى كونه ذاكرة فنية، الكثير من الحاضرين يعرفون أن إميل حنوش هو الذاكرة السياسية على طريق الشام، فهو شاهد على الكثير من الأحداث والروايات والحقائق في أصعب الأيام وأحسنها، وفي حزنها وودّها وقسوتها وفرحها، الذي يعرف رواية “طريق الشام” ولا يمكن أحدا أن يتحدث عن السنوات الثلاثين الماضية أكثر مما يعرفه “الخواجة اميل”، ويا ليته يكتب ما يعرف. أما “الخواجة إميل” في “الشخصية الثانية”، والذي هو مجموعة من الشخصيات، فيأخذ العمل الفني بمحبة كبيرة، وعندما يعطيه فيعطيه بمحبة أكبر، ويتحدث عن كل عمل جديد يحصل عليه كما لو أنه الأول والأخير، ما يدل على حجم محبته للأعمال الفنية وللذين يقدرونها ويجمعونها”.

يجمع “متحف إميل حنوش” في هندسته، الطراز اللبناني الى بعض الحداثة، وقد استعان بخبراء فرنسيين وبمهندسين لبنانيين لتنفيذه. يقول: “نصحني البعض بالهندسة الحديثة المرتكزة على شكل مستطيل شبيه بهنغار حديد ذي واجهات زجاجية، لكني رفضت، إذ أردته معلماً لبنانياً أصيلاً، يعبق بعطر لبنان الذي نعشقه بقناطره وغرفه المبنية من العقد”. يذكر أن أغلى لوحة دفع ثمنها، ويحتضنها المتحف، تعود للرسام عارف الريس، كلّفته في حينها نحو 42 ألف دولار، وباتت تساوي نحو 400 ألف دولار.

رحل الرجل. والموت حق. رغم أن عمره كان يسمح له بالبقاء أكثر. لكن المهم من بعده أن يرفع أحدهم شعار المحافظة على إرثه، وعلى متحف إميل حنوش، إذ لا يكفي أن ترتفع لوحة في شارع داخلي حاملة اسمه، فهذه تُنسى بعد حين، أمّا أن يستمر المتحف، وأن يبقى مقصداً لزوّار، فذلك ما يُحقّق رغبة صاحبه ويبقي اسمه حيّاً.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb

Twitter:@ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*