إميل حبيبي الباقي في حيفا

 

سمير حاج
القدس العربي
Apr 24, 2018

شكّل حبيبي وكنفاني وجبرا رغم التباين الفكري والفني بينهم، المثلث الروائي والرافعة الأكبر في المعمار الروائي الفلسطيني. حبيبي «الباقي في حيفا» والمسكون بالسخرية المرة اللاسعة والأسلوب الشمقمقي والجرأة الإيروتيكية قضى حياته حاملا مرايا أدبية تعكس مزاميره الداعية للبقاء والصمود في الوطن حيا أو ميتا، والتشبث بالأرض والهوية بلا هوادة. ومن ناحية أخرى استقرأ التحولات في أعماق الفلسطيني الضحية، الباقي في وطنه الذي تركه أهله أو أرغموا على تركه عن طريق محاولة فك طلاسم وشيفرات «الوقائع الغريبة» التي طرأت لشريحة فلسطينية من الباقين في وطنهم، أضحت بفعل النكبة متهادنة ومتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي ولم يجرؤ أحد قبله على تشييدها في العالم القصصي أو الروائي الفلسطيني.
وانشغل جبرا إبراهيم جبرا عبثا في «البحث عن وليد مسعود» (1978) المختفي فجأة بين الحدود الأردنية العراقية عن طريق استقراء الشريط الذي تركه في مسجل سيارته، وبقي الاختفاء ينفتح على عدة تأويلات ومسارات ضبابية من قبل أصدقائه ومعارفه منها العمل الفدائي وغيره وانطلق كنفاني عبثا في البحث عن خلدون في «عائد إلى حيفا» (1969) ثم التوزع بين عقدة الذنب في تركه وتلقي صدمة النكران والرفض من قبل خلدون الذي تبنته أسرة يهودية وأطلقت عليه اسم دوف، وحين أصبح شابا جند في الجيش الإسرائيلي. لكن كنفاني في أعماله الأخرى مثل «رجال في الشمس» (1963) و«ما تبقى لكم» (1966) شكّل الصوت الصارخ في البرية لشخصيات روائية واعية، فقد أشعلهم وشحنهم بالصحوة الفكرية والثورة والتمرد والاعتماد على الذات لاستعادة المكان المسلوب، كل ذلك بفنية مميزة وبقوالب وطرائق سردية حداثية رائدة في المعمار الروائي العربي عامة.
في ظل واقع جديد ضياع وطن وهدم القرى والمدن الفلسطينية واقتلاع شعب وتشريده في الفيافي ومخيمات الذل، والاستيلاء على الأرض والمسكن، وقيام دولة إسرائيل، لفّت عباءة النكبة الجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها، التي قاومت الترحيل وتشبثت بالبقاء، بعد أن هجرت وهجرت غالبية الفئة المثقفة مع غالبية الشعب الفلسطيني، وخيمت حالة الانقطاع والقطيعة الثقافـــــية مع العالم العربي، ومع الكتاب الفلسطينيين المشتتين وضياع البوصلة، مرّ الأدب الفلسطيني في إسرائـــيل في حالة من القحط والتصحر والهبوط، فلم يصدر بين عام 1948 حتى عام 1953 أي كتاب أدبي مطبوع سوى ديوان شعر «ورد وقتاد» للشاعر الراحل جورج نجيب خليل ابن قرية عبلين الجليلية.
في ظل هذه الأجواء القامعة والطوق والحكم العسكري ومعركة البقاء الموسومة بالقول الشكسبيري «نكون أو لا نكون» وتغييب اللغة العربية، نشأ وشمخ أدب فلسطيني مبدع متحد ملتزم بالقضية والإنسان، مستشرف الغد الأجمل كل ذلك بخصوصية موضوعية وفنية حداثية وتجريبية ناجحة. والحقيقة التي يجب أن تؤكد أنه لولا صحف ومجلات الحزب الشيوعي الإسرائيلي، «الاتحاد» «الجديد» و«الغد» لكان الأدب الفلسطيني في إسرائيل الذي هو غصن من زيتونة الأدب الفلسطيني من مطلع القرن العشرين وقبله قد أفل أو انتكس أكثر.
انشغل حبيبي في قصصه القصيرة بعيد النكبة بهموم الفلسطينيين الباقين في وطنهم، خاصة ثيمات الفصل والقطيعة مع أهلهم وأبنائهم المشتتين واللقاء المتخيل بينهم واستشراف العودة وتصوير الحواجز الفاصلة مثل بوابة مندلباوم، لكنه في «المتشائل» (1974) التي نحت عنوانها لغويا من التشاؤم بنسبة أكثر من التفاؤل فهو لم يختر المتفائم (ارتكازا على التفاؤل) بفعل النكبات والمآسي بحق شعبه انشغل بالفانتازيا والتلاعب اللفظي والسخرية السوداء من المحتل، ومن سعيد المتهادن مع المحتل والمعلق في الفصل الأخير على أعلى الخازوق بهدف تعريته، رغم اللبس في فك شيفرة هويته، كما حمل حبيبي في «المتشائل» خريطة فلسطين الانتدابية وأسماء القرى الفلسطينية المدمرة والمطموسة المعالم لإبراز الهوية الفلسطينية للمكان، فحين التقى الراوي الأشباح الهائمة في مسجد الجزار أمطره هؤلاء بالأسئلة عن شظايا أهلهم الذين التجأوا إلى لبنان:
«نحن من الكويكات، التي هدموها وشردوا أهلها فهل التقيت أحدا من الكويكات؟
أنا من المنشية لم يبق فيها حجر على حجر، سوى القبور، فهل تعرف أحدا من المنشية؟
نحن هنا من عمقا ولقد حرثوها ودلقوا زيتها، فهل تعرف أحدا من عمقا؟
نحن هنا من البروة، لقد طردونا وهدموها…
نحن من الرويس، نحن من الحدثة، نحن من الدامون، نحن من المزرعة، نحن من شعب، نحن من ميعار، نحن من وعرة السريس، نحن من الزيب، نحن من البصة، نحن من الكابري، نحن من إقرث.
(الأعمال الكاملة، 186-187)
عاش حبيبي في حيفا مدينته الأثيرة إنها عنده إيثاكا التي بقيت تعيش وتعشش في حواسه، لاحقته حتى مماته بعد أن قضى فيها رائعة شبابه إبان الانتداب، واكتوى بحرقة النكبة فيها حين «خلت من أهلها الدار» كما شكلت مسرحا وفضاء لشخصياته الروائية والقصصية، بهوية القلة العربية الباقية وأهلها الجدد وأسماء شوارعها المبدلة ومعالمها المهدمة ولغتها المغيبة وكقوله فيها قبيل وفاته «وأنا أحلم أن من يريد أن يراجع حيفا، أو عكا، أو حتى يافا، قبل عام 1948، يستطيع أن يعتمد على كتاباتي. مرة أخرى أقول لكم: هذا أستطيعه أنا بفضل أنني بقيت، وبعد عمر طويل تركت من ورائي وصية أن يكتب على قبري فقط جملة واحدة: «باق في حيفا»، وأن أدفن في حيفا» (مشارف،ع 9، يونيو/حزيران 96، ص22). هذه التوليفة بين البقاء وحيفا خاصة، والوطن عامة شكلت مدماكا قويا في بنيان إميل حبيبي المميز والغريب شكلا. «باق في حيفا» مزمور نحته إميل حبيبي على صخرة باقية في شاطئ الطنطورية القريبة من حيفا، بعد أن اقتلع أهلها منها. هذا المزمور بقي يعيش معه ويطارده حتى استكان وتشكل حروفا منحوتة على ضريحه قرب شاطئ حيفا. وقد استقى حبيبي هذا المزمور من روايته «المتشائل» متماهيا مع سعيد، على غرار الصخرة التي نحتت عليها باقية الطنطورية اسمه قريبا من شاطئ الطنطورية:
«ففيما أنا عائد في إحدى الأماسي، وقد أقفر المكان، اتكأت على هذه الصخرة، فرأيت اسمي محفورا على كتفها. فأدركت أن هذه الصبية أشجع من هذا الصبي، وأنها استدرجت أقرانها، الذين كنت أوزع صنارات الصيد عليهم درءا لشرهم، حتى أخبروها باسمي». (الأعمال الكاملة، 273) مثل صاحب رائعة «العجوز والبحر» لجأ سعيد المتشائل عند حبيبي إلى بحر عكا، لكن برفقة الفضائي، ليستمد الاطمئنان وليطل على معبودته حيفا «ونظرنا أمامنا فإذا حيفا المتوهجة أصبحت حيفاءين: حيفا المتكئة على مسند الكرمل، وحيفا المستحمة في البحر، متجردة من أقراطها وعقودها وخواتمها». (الأعمال الكاملة، 249). وقد رأى الباحث الإنكليزي الأمريكي المختص بالرواية العربية روجر آلن بكلمة «فضائي» لعبة سردية أو خدعة لغوية تنفتح باستبدال حرف واحد على كلمة «فدائي».
لا يمكن الفصل بين الأدب والسياسة عند حبيبي ورفاقه فلا يولد الأديب من الحائط أو من إصبع جوبيتر والأديب الذي يغرد خارج السرب يفقد البوصلة. وكما قال في آخر مقابلة أجريت معه «طبعا أنا حين أكتب لا أكتب مستهدفا رسالة معينة، وإنما أكتب عفو الخاطر. غير أنني لا أستطيع أن أخرج من جلدي ومن مجتمعي، ولا أحد يستطيع أن يخرج من جلده، ومن جلد مجتمعه، حتى ولا أجاثا كريستي»( مجلة مشارف،ع9، يونيو/حزيران 1996، ص13).
هذا الكاتب المغامر فنيا المغموس يراعه بمحبرة التراث العربي والأدب العالمي التقدمي قامة شامخة في الرواية الفلسطينية وصرخته «باق في حيفا» تشبه صرخة إميل زولا: «إني أتهم»، وبين الإميلين جرأة ودفاع عن الحقيقة ورغم درب الآلام التي اجترحها هو والباقون في وطنهم لم ييأس وعاش إرهاصات التفاؤل الممسوح بغيوم التشاؤم وهتف مع يعاد الثانية في المتشائل «حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس».
ومن نافلة الكلام القول ألا مصداقية للهجوم الأرعن على تراث حبيبي الأدبي قد يكون هناك اختلاف على شخص حبيبي السياسي لكن هناك ائتلافا على أثره الأدبي وإبداعه الذي ما زال يشغل الباحثين وحين نسقط رواياته يتهاوى البنيان الروائي الفلسطيني.

٭ كاتب فلسطيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*