الرئيسية / home slide / إميل إده: رئيساً خائناً أم واقعياً فوق العادة؟

إميل إده: رئيساً خائناً أم واقعياً فوق العادة؟

إميل إدّه (أرشيفية).

بين الرؤساء اللبنانيّين، ثمة إصلاحيان، أحدُهما رؤيَوي. فؤاد شهاب، كما هو متعارف عليه، هو من أرسى أركان مؤسسات الدولة ودفع قُدُماً مشروع الإصلاح الاجتماعي وتنمية المناطق. بينما في حِقبة الإنتداب، إميل إده هو من عمل، سواء كرئيس وزراء أم كرئيس للجمهورية، على نقل لبنان من إطاره العثماني إلى دولة حديثة. غير أن لإدّه أيضاً رؤية للبنان مغايرة، أصغر حجماً، وأكثر تماسكاً، مُستقلاً، إنما على علاقة بفرنسا وفي حمايتها، عُيّر، لا بل خُوِّن، من أجلها. فهل أن أزمات لبنان المتعاقبة التي انتهت به، في مئويته، إلى انهيار مزدوج، سياسي ومالي، ليست وليدة المصادفة، ولا سوء الحظ فحسب، بل نتيجة خلل بنيويّ لم يلحظ رؤية إده إلى موقع لبنان وهويته ضمن إقليم شديد الإضطراب؟

في العام 1936، أُقيم “معرض المشرق الدولي” في مدينة تل أبيب بفلسطين، حيث كان لحضور لبنان وقع مهم بجناحه اللافت، مما دفع الصحافة المحليّة اليهودية، في تلك المناسبة، إلى التعليق متسائلةً عن عدم مبادرة رابطة أرباب العمل إلى افتتاح مكتب دائم لها في بيروت تديره شخصية تمثّل المصالح التجارية لـ”أيريتز يسرائيل” (أرض إسرائيل).

المشهد لربما يفاجئ اليوم، إلا أنّه، قبل 1948، لم يكن خارج المألوف أن تنشط المبادلات التجارية، وكذلك النشاطات السياحية، بين اليهود المقيمين في فلسطين ودول الجوار. كما أن حركة قادة “المنظّمة الصهيونية” وزياراتهم السياسية للعواصم العربية كانت تزداد أو تنحسر تبعاً للتطورات في فلسطين وضروراتها. فلبنان لم يُستثنَ منها، بل كانت لحاييم وايزمان وموشيه شرتوك (شاريت)، وسواهما، لقاءات مع الرئيس إميل إده ورئيس وزرائه خير الدين الأحدب في غير مناسبة ضمن عملية جس نبض متبادل وطموح صهيوني، مع زيادة الضغط على يهود أوروبا آنذاك، إلى تعاونٍ مع لبنان حالت دونه هواجس لبنانية واعتبارات سياسية لسلطة الإنتداب الفرنسي في سوريا ولبنان.

ففيما كان الرئيس إده يراقب أحداث فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينات بدقة مشوبة بالقلق، ويحفظ عيناً ساهرة في آن واحد على المفاوضات الفرنسية – السورية، وما يمكن أن يتكشّف عنها من طموحات وحدَوية في دمشق تجاه لبنان، كان تعاطيه مع محاوريه الصهيونيين ينطوي على هاجسين إثنين: إستقلال لبنان وسلامة أراضيه، من وجه، ومن وجه آخر الحؤول دون امتداد أي كيان يهودي مفترَض خارج حدود فلسطين، وتالياً عدم المسّ، في أي ظرف من الظروف، بمياه الليطاني.

لم يوفّر تودّد الزعامات الصهيونية سيّد بكركي، البطريرك أنطون عريضة، الذي كان مهتماً في شكل خاص، في الثلاثينات، وإن بمساعدة مفترضة ليهود أوروبا خبرةً أو تمويلاً، لجعل لبنان مركزاً صناعياً متقدماً يصدّر منتجاته إلى الأقطار العربية. إلّا أن الدافع الذي جمع بين الطرفين، الصهيوني واللبناني، ولو مرحلياً قبل تلاشيه بوتيرة متسارعة في الأربعينات، لم يكن فحسب احتدام الأزمة بفلسطين مع ازدياد الهجرة اليهودية إليها إبّان الحرب الكونية، إنما أيضاً حركة ضاغطة دون انقطاع من الشرق، سواء أتت من دمشق أو بغداد، من أجل سوريا كبرى، أو “هلال خصيب” يضمّ العراق، كلاهما برعاية الضباط الإنكليز في دول المشرق، تضع، أي الحركة الضاغطة من الشرق، الكيان اللبناني الناجز ومصيره في مهبّ الريح. فالخطر من عملية ضمّ من الخارج أو عملية طرد بدفع من الداخل، لم يكن وهماً بل حقيقة ومصدر قلق على استقلالية الكيان اللبناني.

لوضع الأمور في سياقها التاريخي، من المفيد، إذاً، أن نُذكّر هنا بأن الجمهورية السورية (العربية السورية في ما بعد) شُكّلت في حدودها القائمة بدمج ولايتَي حلب ودمشق العثمانيتين بجزء رحب من ولاية بيروت التي كانت تمتد من جنوب نابلس حتى شَمال اللاذقية. تماماً كما أن العراق الحديث إنما هو نتيجة دمج الولايات العثمانية الثلاث، الموصل، وبغداد، والبصرة. أما بالنسبة إلى لبنان، فإميل إده، الذي لم يألُ جهداً خلال مؤتمر باريس عام 1919 لإنجاز كيانه المستقل، فقد كان هو، على عكس الكنيسة المارونية، دائم التحفظ عن حدود لبنان المعتمدة التي تعود في الأصل إلى خريطة الحملة الفرنسية في لبنان بقيادة الجنرال بوفور دوتبول خلال العامين 1860 و1861. ذلك أن هاجس إميل إده إنما هو قدرة لبنان على البقاء متماسكاً ضمن حدود لا تتحوّل عرضةً دائمة للضغوط الإقليمية. فلبنان ديموقراطي وعلمانيّ، كما أراده إده، ومواطنوه سواءٌ في الحقوق، لا يمكن أن يقوم عنوةً بمواطنين ومناطق آثرت حينذاك أن تنفكّ عنه أو تلتحق بالداخل السوري. فإن كان ثمن الاستقرار هو التخلي عن طرابلس، أو منحها وضعية مستقلة، وكذلك عكار شمالاً، وجوار بعلبك شرقاً، وصولاً إلى جبل عامل جنوباً، فإميل إده كان مستعداً لخيارات خارج السرب، إن ضمنت هي استقلال لبنان على المدى الأطول ضمن حدود أضيق، ذات أغلبية مسيحية. مع ذلك، إن دلّ سِجلّ إده السياسي على شيء، فإنما هو يدلّ على أن خياراته لم تنطوِ على تقوقع مسيحي في ثقافته، بل على استشرافه مستقبلاً إقليمياً معقّداً لا بد من أن يلقيَ بثقله على لبنان ربما لَمْ يكتسب بناؤه ما يلزمه من متانة.

فهو نفسه إميل إده الذي تراه منكباً في حيوية لافتة على برنامجه الإصلاحي كرئيس للحكومة في عهد الرئيس شارل دباس سنة 1929، منجزاً سبعمئة مرسوم اشتراعي، بعد موافقة مجلس النواب، في غضون فترة لم تتعدَّ المئة يوم. وهو من دعم الشيخ محمد الجسر في رئاسة مجلس النواب، وهو أيضاً من جيّر أصواته إلى الشيخ الطرابلسي في انتخابات 1932 الرئاسية، فكاد أن يُنتخب محمد الجسر رئيساً لولا تعليق المفوض السامي الدستور وحلّه المجلس النيابي. وهو من انتُخب رئيساً في العام 1936 بأكثرية أصوات النواب المسلمين، ومن جعل من تعيين رئيس وزراء سني (من طرابلس) تقليداً، رغم تحفظ بكركي واعتراض خصمه بشارة الخوري لوجود الأمير خالد شهاب (السنيّ) حينها في الرئاسة الثانية. وهو كذلك الرؤيوي الذي طمح إلى مطار برمائي لطرابلس يجعل منها محطة لوجستية بين أوروبا وآسيا. وهو من أراد للبنان الإكتفاء الذاتي زراعياً، فجاهد، برغم العراقيل، لاستحداث “المكتب الوطني للقمح” ثم “مكتب الحبوب”.

خطؤه الاستراتيجي في قبوله، مُكرهاً، الرئاسة الموقتة خلال أزمة 1943، وتخوينه في أعقابها، لم يمنعا عودته السياسية بعد الحرب، وإنشاءه “الكتلة الوطنية” وتوسيع قاعدته الشعبية تحضيراً لانتخابات رئاسية (بعد تزوير بشارة الخوري إنتخابات 1947 النيابية) لم يظفر بها لتوفّيه في العام 1949.

فهل كان إميل إده صائباً في خياره، من منظورنا اليوم، لبنان أصغر حجماً، ذا أغلبية مسيحية، تربطه كدولة مستقلة معاهدة مع فرنسا تتضمن بنداً عسكرياً لحمايته؟ سؤال افتراضي إنما الجواب عنه له دلالات على وضعنا الحاضر وما يمكن أن نستشرفه كمخرج، من التبسيط حصره بالاقتصاد وحده. فلبنان بلد معقّد. ولا عجب، على العموم، في أن الدول ذات اللون الواحد، عرقياً، دينياً، أو لغوياً، كمثل الدول الإسكندينافية ذات الديانة اللوثرية البروتستانتية الواحدة، إنما إدارتها أكثر يُسراً وسلاسةً. وعندما تتعدد الأثنيات والديانات في بلد واحد، فغلبة إحداها، كما للصينيين في سنغافورة، مثلاً، تضفي هوية الفئة الغالبة على باقي المجموعات. فما كانت هذه الحال في لبنان يوماً، أقله ليس بشكل وازن، ولا هي اليوم. فإن تشابكت تجاذبات الإقليم المضطرب، منذ قرن ونيّف، مع تباينات الداخل اللبناني بتعدد ألوانه الطائفية والمذهبية، تحولت إدارة لبنان السياسية إلى عملية طوارئ لإطفاء حرائق، خارجية وداخلية مترابطة، يوماً بعد يوم، ما لبثت مضاعفاتها أن كلّفت لبنان ما لا قدرة له على تكلّفه. من أجل ذلك، عندما يتكلّم البطريرك الراعي على “إعلان حياد لبنان”، فإنما يقول ما لم يكن بدّ من أن يُقال.

وعليه، فإن سلّمنا بأنّ النزعة إلى الالتحاق بالداخل السوري قد انتفت عند أكثر مريديها من اللبنانيين، فإن حروب المنطقة التي خيضَت في لبنان، وما تبعها من احتلالات له، أنتجت منحى آخر، في ثمانينات القرن الماضي، لاستتباع شيعة لبنان بإيران وثورتها الإسلامية. فإن لم ينجح الطموح الإيراني في استتباع طائفة لبنانية عن بكرة أبيها، إلا أنه أوجد واقعاً سياسياً وأمنياً وثقافياً على أرض لبنان، بحجّة مقاومة إسرائيل ولو بعد تحرير الجنوب، دفع إلى جنوح خارجي نحو إيران (كما الجنوح نحو الداخل السوري، أو العروبي، من ذي قبل) يعرّض تماسك لبنان الداخلي إلى التمزّق؛ كما هو قد يُلغي علّة وجود لبنان، بهيمنة جماعة على الجماعات الأخرى، متوسّلة لهذا الهدف فساداً بنيوياً والسلاح.

من أجل ذلك، فحينما يصف رئيس مجلس النواب، نبيه بري، من ينادون بالفيديرالية بـ”الأصوات النّشاز”، مِن الأخلق به أن يسمع ما وراء هذا “النشاز”. لا لِأنّ الفيديرالية، كنظام متقدم في دول راقية، تحلّ مشكلة جيشين في بلد واحد أو سياستين خارجيتين بدلاً من سياسة واحدة، فهي لا تفعل ذلك؛ بل لأنها تعبّر عن أن الكيل قد طفح، ولا عيش مشتركاً مع من خرق العقد بين اللبنانيين، وقرّر عنهم، من غير تكليف، وعنوةً بهم، أيَّ لبنان يريدون. فإن أراد رئيس المجلس ألّا يُسجَّل، في مئوية لبنان، أن ما صنَعه المسيحيّون ولبنانيّو المهجر سنة 1920 أجهضه شيعة “حزب الله” وشركاؤهم سنة 2020، فالأجدر أن يبادر هو و”الحزب” إلى عملية فك ارتباط ملحّة: أولاً مع حلفائهم المسيحيّين الذين يربطهم بهم خطّ تواتر عالي الفساد؛ وثانياً، مع النهج المتّبع منذ أكثر من ربع قرن الذي أوصل البلد إلى ما نحن فيه، والتحضير للانتقال نحو المخرج؛ وثالثاً، مع الحكومة الحالية، وإطلاق عنان حكومة شُجعان مصغّرة لا ترضخ للسياسيين أو للمصرفيين، بل لمصلحة اللبنانيين بالتعاون مع المؤسسات الدولية والدول المانحة.

عندما طالب البطريرك الراعي بحياد لبنان في السياسة الخارجية، لم يذكر ما يقابله في السياسة الداخلية، لا سيّما المساواة بين اللبنانيين. إميل إده أراد لبناناً متراصّاً داخلياً، حديثاً، لا تمييز بين مواطنيه (ولا محاصصة طائفية)، بل مساواة تبعاً للدستور. تقديره لمخاطر المستقبل كان خيراً من تقدير سواه من الساسة الطامحين إلى السلطة. فلا عودة بعقارب الساعة إلى الوراء، حتماً، وطرابلس اليوم، كما بعلبك والنبطيّة، راسخة في هويتها اللبنانية. ولكن، إن كان مبدأ المساواة لم يطبّق في لبنان عشرينات القرن الماضي، فهو لا يزال خارج التطبيق اليوم. وهنا يكمن الخلل، ومن هنا نبدأ إن أردنا أن نَخرُج من الأزمة نهائياً لبناء لبنان متناغم، قابل للحياة.